الأربعاء، 30 مايو، 2012

القاعدة في اليمن.. حقيقة أم صناعة أزمات؟

القاعدة في اليمن.. حقيقة أم صناعة أزمات؟
   محمد عبده العبسي
رئيس مؤسسة قرار للإعلام والتنمية
Absi456@gmail.com
1

هناك تيار قوي في الولايات المتحدة، أبرز وجوهه المفكر نعوم تشومسكي، يميل إلى الاعتقاد بنظرية المؤامرة واتهام الإدارة الأمريكية، أو جناح الصقور فيها، بالتواطؤ مع القاعدة وتضليل الرأي العام الأمريكي. في اليمن أيضاً هناك تيار مشابه يميل إلى الاعتقاد بنظرية المؤامرة واتهام نظام صالح بالتواطؤ مع القاعدة على أن الفرق بينهما كبير. فالتيار الأمريكي عقلاني ومنطقي إلى حد كبير بينما اليمني غوغائي وسطحي. ذلك يسند اتهاماته بالأدلة الداغمة والاستنتاجات المنطقية وهذا يسنده اتهاماته بـ"كلام" مقايل والتنجيم السياسي.
هذه الورقة تدرس خطاب المعارضة اليمنية تجاه موضوع تنظيم القاعدة وسلبياته وكيف استطاع علي عبدالله صالح الاستفادة من القاعدة بفضل معارضيه وخطابهم السلبي.


2
تقول المعارضة اليمنية "إن القاعدة صنيعة قصر الرئاسة"! بينما يقول جاك كلونان عميل الـFBI بوحدة مكافحة الإرهاب "إن الاهتمام الأمريكي بالخلايا الجهادية في اليمن بدأ عام 1995 إثر انشقاق جمال أحمد الفضل، أحد مساعدي بن لادن وحراسه، الذي تتهمه القاعدة باختلاس مبالغ ضخمة من أموال بن لادن" والذي قدم لاحقاً لـCIA، حسب كلونان "ثروة معلومات هائلة لم يكونوا يعلموها، عن بنية التنظيم والأشخاص والجهات الممولة مروراً بالعمليات والتعاملات المالية في اليمن والسودان". وفي هذه الحالة أحدهما مخطئ: إما المعارضة اليمنية وإما CIA!
تقول قوى المعارضة "إن القاعدة تعمل بالريمونت كنترول من قبل علي عبدالله صالح ونظامه" بينما يقول أول حكم قضائي تم بموجبه إدانة الشيخ أسامة بن لادن، رسمياً، في المحاكم الأمريكية عام 98م أن له علاقة وثيقة باليمن!
من ندوة مؤسسة قرار عن حرب ابين التي شهدت إشهار حركة اوفقوا حرب أبين
تقول المعارضة إن "القاعدة ظاهرة صوتية" بينما تقول التقارير التلفزيونية العالمية عن اليمن إثر محاولة تفجير طائرة ديترويت من النيجيري عمر الفاروق -الذي افتخر الشيخ أنور العولقي في تسجيل صوتي أنه تلميذه- العكس. وحتى لو افترضنا أن العملية، وفق نظرية المؤامرة، من تدبير المخابرات الأمريكية أو البريطانية: هل يغير هذا الافتراض العاطفي النتيجة؟ كلا! هل يعيد لليمن سمعته الطيبة كبلد؟ وهل تظن المعارضة أن كلامها في الصحف المحلية قادر على القيام بعملية "فورمات" تلغي، أو تعدل، صورة اليمن كحزام ناسف حسب ما نقلت وسائل إعلام الكرة الأرضية الناطقة بغير العربية؟ هيهات!
تقول المعارضة "إن القاعدة مجرد فزاعة" بينما يقول رئيس المخابرات الباكستانية "إن أيمن الظواهري في اليمن"، ويقول نظيره رئيس المخابرات الأمريكية "قاعدة اليمن الأخطر على مستوى العالم أكثر من أفغانستان وباكستان" ويقول رئيس المخابرات السعودية السابق "اليمن كان وما زال ساحة لتنظيم القاعدة منذ إنشاء أسامة بن لادن فيه معسكرات تدريب في التسعينات. مؤكداً أن "نفوذ التنظيم في تزايد لأن الحكومة اليمنية لا تسيطر على المناطق الجبلية خارج العاصمة ولان أعضاء القاعدة عقدوا اتفاقيات حماية مع زعماء القبائل". والسؤال: هل أخطأ رؤساء أجهزة الاستخبارات الثلاثة وأصابت المعارضة اليمنية وحدها؟ محتمل! لكن ما الفائدة؟ هل ستصدقها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا مكذبة تقاريرها الدبلوماسية والمخابراتية؟ لنفترض أن هذه الدول قليلة عقل والمعارضة اليمنية حاذقة وذكية أليس من الحكمة أن "تأخذ هذه الدول على عقلها" كما يقول المثل الشعبي.
تقول المعارضة، وكأنها اكتشفت علاج الإيدز "إن صالح يبتز الإدارة الأمريكية بالقاعدة" معتقدةً أنها قدمت لأمريكا نصيحة أخ ومعلومة خطيرة لا تعرفها عنه! موقع ويكليكس يكشف كم هي واهمة. فالسفير الأمريكي نفسه قال في وثيقة مسربة: "إن صالح يستخدم القاعدة كلما ضُغط عليه لاتخاذ خطوات إصلاحية جادة وأنه حاول ابتزازهم عند شراء صواريخ أرض جو بحوزة المواطنين". إذن فالمعلومة الخطيرة التي تتبختر بها المعارضة معلومة عادية تعرفها الإدارة الأمريكية. لماذا؟ لأنها معارضة غير مؤسسية. وإلا لشكلت لجان مختصة لدراسة وتحليل وثائق ويكليكس، فور نشرها، وفهمت ما يدور في الغرف المغلقة لكنها معارضة عديمة اعتادت أن تتشكى وتبكي فحسب! والدليل أنها تتهم صالح بابتزاز أمريكا دون أن تسأل نفسها عن السبب الذي جعل الإدارة الأمريكية -التي تعرف أن صالح يبتزها- تفضل التعامل مع رئيس مُبتزّ لسنوات عن التعامل معها كبديل له!
تقول المعارضة إن علي عبدالله صالح يستغل القاعدة ويستفيد منها. ياللغباء!! أمريكا ذاتها تستغل القاعدة وتستفيد منها داخلياً وخارجياً أكثر من صالح. في هذه الحالة فإن صالح في نظر الأمريكان سياسي متمرس يعرف قواعد اللعبة جيداً بينما معارضوه مجموعة من السياسيين الطيبين الذين لا يعرفون قواعد اللعبة ولا فن التعامل مع "عدو يجب إبقاء خطره تحت السيطرة".
3
تظن المعارضة أنها تؤذي صالح بالتشكيك بحجم ونشاط قاعدة اليمن بينما هي تخدمه. منذ سنوات تقول للدوائر الغربية "صالح يكذب عليكم" غافلة عن حقيقة أنها وهي تتهم صالح بالكذب تكون قد اتهمت الدول الغربية بالغباء! وهذه أكثر الأطروحات الغبية الشائعة في المزاج والوسط المعارض. هناك من يعتقد فعلاً أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد على أجهزة الاستخبارات اليمنية، أو العربية، في معلوماتها عن القاعدة وأعضائها وأنشطتهم! وكم تهين ذكائي هذه الفكرة الغبية لأن معناها ببساطة أن صالح ذكي والدول الغربية غبية، وأن المخابرات الأمريكية CIA والبريطانية MI6 تتلقى معلوماتها عن القاعدة وأعضائها ونشاطها مُقرطسةً من الأجهزة اليمنية!! ليس من السهولة تضليل أجهزة أمنية بحجم ومؤسسية الـCIA والـFBI ومكتب الأمن القومي ومكتب الاستطلاع القومي ودلتا فورس وقيادة العمليات الخاصة المشتركة JSOC ومؤسسات ضخمة كهذه ومِنْ من؟ من جهاز غالب القمش الخردة (الأمن السياسي) أو جهاز عمار محمد عبدالله صالح النصف مسمكر (الأمن القومي)!
تقول المعارضة، بلهجة من يعلم الغيب، إن هروب 23 سجيناً من سجن الأمن السياسي كان مدبراً من صالح! حسناً. ما الخطوة التالية؟ لا شيء. اتهام فقط ثم صمت! يومها، وعلى بعد قارتي أفريقيا وأوروبا، عقد البيت الأبيض بعد ساعات فقط مؤتمراً صحفياً للتعليق على "الهروب الكبير" بينما لم تكلف أحزاب المعارضة نفسها عناء عقد مؤتمر صحفي صغير تدعو إليه خبراء أمن ومحللين وشهود عيان فيستعرضون صوراً وخرائط جوية للمواقع يوفرها، مجاناً، جوجل آرث فتحولها إلى قضية رأي وتطالب بفتح تحقيق علني لإحراج الرئيس أمام الداخل والخارج. ماذا حدث؟ لقد التزمت المعارضة كعادتها الصمت وكان صالح هو من أمر بالتحقيق. لهذا السبب كتب السفير كراجيسكي في وثيقة ويكليكس 06SANAA347 "إن صالح كان متعاوناً وشفافاً بينما كان مدير الأمن السياسي غالب القمش منهاراً ودموعه في عينيه".
تقول المعارضة "هناك شكوك حول تسهيلات سخية قدمها صالح للقاعدة" وهذا دليل غباء أيضاً!! ذلك أن هناك شكوكاً أكبر حول تسهيلات أمريكية مزعومة للقاعدة: ففي صيف 1998م فجر تنظيم القاعدة السفارة الأمريكية في نيروبي ودار السلام. بعد أسبوعين تم اعتقال السعودي محمد داود الاوحلي أحد أعضاء الخلية وقام عميلان من شرطة نيويورك والـFBI باستجوابه. فكشف الأوحلي، أثناء التحقيق، رقم هاتف في صنعاء كان يتصل به عند حاجته لجوازات سفر وأموال. منذ صيف 1998م خضع ذلك الهاتف للمراقبة ليل نهار إلا أن أمريكا سمحت لاحقاً لصاحبه، لا ندري كيف، أن يكون أحد خاطفي طائرة بوينج صدمها، صباح 11 سبتمبر، الإماراتي مروان الشحي بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي. إنه خالد المحضار إمام مسجد في شارع الرباط بصنعاء لم يسمع به الكثير من اليمنيون. هو ذاته المراقب هاتفه منذ أغسطس 1998م والذي دخل أمريكا قبل 11 أيلول بأشهر باسمه وصورته الحقيقيين وبجواز سفر سليم ومتى؟ في يوم شديد الإجراءات الأمنية: يوم الاستقلال الأمريكي. ولم يضف اسمه إلى قائمة الممنوعين من السفر إلى الولايات المتحدة إلا قبل 11 أيلول بـ 9 أيام فقط بعد أن كان المحضار في أراضيها.
4
في أول إفادة رسمية أمام أعضاء الكونجرس قال مدير المخابرات المركزية الأمريكية CIA الجنرال ديفيد بترايوس "إن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ومقره اليمن هو الأخطر على مستوى العالم أكثر من باكستان وأفغانستان". ومرت هذه الإفادة الخطيرة دون أن يرد أحد عليها نفياً أو تأييداً. لا احد أبدى اكتراثاً في اليمن: لا النخب الحزبية ولا المستقلة، لا الليبراليون ولا الإسلاميون، لا القبائل ولا المدنيون، لا حراس الشرعية وكأنه شأن لا يعنينا.
تجاهل النظام لتهمة ديفيد بيترايوس له أسبابه الانتهازية. فالقاعدة هي "الدجاجة التي تبيض ذهباً" لنظام صالح والـ"بعبع" الذي يقلق الأسرة الدولية من اليمن. أما أحزاب المعارضة فلا يوجد سبب لصمتها المجاني. على العكس كانت فرصة مهدرة لمن يفترض به تقديم نفسه كبديل لصالح في الحرب على الإرهاب. لقد تعامل المشترك والمجلس الوطني مع إفادة مدير أقوى جهاز مخابرات CIA كأنها دعابة لأحد رجال الحزب الحاكم أو تصريح عاكس خط لعبده الجندي مع أن كلام بترايوس ليس "كلام جرائد" أو تخمينات وتوقعات وإنما مزيج معقد من معلومات استخباراتية واستجوابات وعمليات تنصت ومراقبة عبر الأقمار الصناعية تتعامل معها أمريكا بوصفها حقائق مؤكدة. هل يظن قادة المعارضة أن ديفيد بيترايوس يمزح أم أنه مندس ومدفوع من الأمن القومي؟ أم أن نظام صالح خدعه وضلل الـCIA! ربما
بعد شهر من إفادة مدير CIA أمام الكونجرس سقطت زنجبار بيد أنصار الشريعة فقالت المعارضة على الفور "إن صالح وقواته سلموا أبين للقاعدة" متجاهلة كلام بترايوس وموحيةً أنهم موظفين لدى صالح، بل ومستبعدة خياراً مرجحاً آخر هو أن القاعدة كغيرها من اللاعبين المؤثرين في البلد أرادت اقتطاع جغرافيا للمرحلة التالية لعلي عبدالله صالح. ألم يتقاسم حزب الإصلاح والحوثي معسكرات وعتاد محافظة الجوف ويتقاتلا في حجة؟ ألم يتمدد الحراك؟ ألم يبرز السلفيون؟ بعبارة أخرى: إنه الاستعجال على غنائم الثورة قبل سقوط العدو المشترك للجميع (صالح ونظامه) تماماً كمعركة أحد. وإلا لكان بوسعنا، وفق منطق المعارضة هذا، القول: إن صالح سلم الجوف للإصلاح، وسلم حجة بعد صعدة للحوثي، والحصبة لأولاد الأحمر ونصف العاصمة لعلي محسن؟ فإن قيل إن ذلك أخذ بالقوة فتنظيم القاعدة أقوى وأقدر منهم جميعاً، وبشهادة أقوى مدير مخابرات في العالم، على القتال وانتزاع قطعة أرض يفاوض عليها، وينطلق منها، في المرحلة الانتقالية.
5
باختصار شديد خطاب المعارضة اليمنية عن القاعدة سلبي وسطحي. لقد عاش علي عبدالله صالح 33 عاماً على المكر والخديعة، وتعيش المعارضة والقوى المناصرة للثورة اليوم على بيع الوهم. وإذا كان علي عبدالله صالح خاض الحرب على الإرهاب بوصفها "دفتر شيكات" حسب تعبير لوس انجلوس تايمز، فإن معارضيه حتى وقت قريب كانوا يقولون "لا وجود للقاعدة في اليمن". وفي هذه الحالة ماذا تتوقعون من الإدارة الأمريكية؟ أن تتعاون مع صالح الانتهازي الذي يخدمها، على الأقل، أم تتعاون مع معارضة يتناقض فهمها وخطابها كلياً مع "عقيدة" أمريكا الجديدة؟ وما دامت النخب السياسية قليلة احترام لليمن ومواطنيه فهل تتوقعون أن تعتذر أمريكا لأبرياء المعجلة أم لطفل كالوردة قتل ظلماً هو عبد الرحمن أنور العولقي؟ تعرفون الإجابة.
6
مشكلة الرأي العام في اليمن أنه ليس نزيهاً في تبنيه للقضايا الإنسانية والحقوقية. إنه عاطفي وسطحي يسهل توجيهه، أو التأثير فيه، من قبل مراكز القوى المستفيدة أو التي تخشى الخسارة. والدليل الجليّ عندما كانت الحرب في أبين مستعرة منذ شهور كانت لجان الوساطة في صعدة. كان النزوح من أبين وقوافل الغذاء والدواء إلى دماج!! المعارك في زنجبار وأنظار العالم وعدسات الكاميرا في دماج!!
قال إعلام النظام عن أنصار الشريعة إنهم إرهابيون ونحن جميعا، الموالون لصالح والمعارضون، صدّقنا دون تحر. قال إنهم قتلة ونحن جميعا، وفينا الحوثي والإصلاحي والاشتراكي والمستقل، صدقنا. قال إن أنصار الشريعة هم النسخة اليمنية من تنظيم القاعدة ونحن جميعاً صدقنا دون أن نسأل النظام كيف عرفتم أنهم قاعدة وهم يسمُّون أنفسهم أنصار الشريعة؟ حتى إعلام المعارضة والثورة نقل عنهم ما يزيد ذعر العالم فقط: قطع أيدي، قتل المثليين جنسياً، وجرائم أخرى مدانة ولم يقل أنهم وفروا مدرسين لمدارس وأنهم -قبل المواجهات-  أعادوا الأمان لطريق شبوة أبين الذي لم يكن آمناً. باختصار لقد ثبت أن إشاعة دماج أقوى من حقيقة زنجبار! وهذه هي مشكلة الرأي العام: ازدواجية المعايير الحقوقية. إن ما تنقله وسائل الإعلام عن دماج يخضع للشك والتمحيص من قبل النخب السياسية والمجتمعية بينما ما تنقله نفس وسائل الإعلام عن زنجبار مسلمات لا يختلف عليها معارض وموالي أو حوثي وإصلاحي!
لا شيء في اليمن لوجه الله والإنسان!! فمجلس النواب الذي شكل لجنة تقصي لأحداث دماج لم يقدم استفساراً خجولاً عن حقيقة الحرب النظامية في أبين؟ والمجلس الوطني الذي شكل هو الآخر لجنة تقصي في دماج تجاهل وضع أبين ومواطنيها وكأنها خارج الحدود اليمنية. لا شيء في اليمن لوجه الله والإنسان!! نقابة الصحفيين اليمنيين تطالب الحوثي بتأمين ممر آمن للصحفيين إلى دماج. هذا الموقف الحقوقي المشرف بدا موقفاً رخيصاً وتافهاً من نقابة الصحفيين بسبب أنها لم تطالب القاعدة ونظام صالح وشركاء الحرب على الإرهاب بتأمين ممر آمن للصحفيين إلى أبين مع أنها أولى وأوجب!!
7
وأخيراً: لماذا ينبغي إيقاف حرب أبين؟
عام على حرب أبين وما من جديد غير الدمار الشامل. فلا "الدولة" انتصرت ولا القاعدة هزمت، والضحايا هم المدنيون والأبرياء. لا شيء من أهداف الحرب تحقق. بل على العكس: لقد سقطت المدن والقرى تباعاً وازدادت جماعة أنصار الشريعة قوة واتسعت رقعة سيطرتها ونفوذها وعادت اليمن من جديد إلى واجهة الأخبار الدولية لا باعتبارها بلد البن السعيد، وليس بسمعتها الطيبة وقيم شعبها المضياف، بل بوصفها حزاماً ناسفاً يهدد أمن المنطقة برمتها.
عام على حرب أبين وهذه إحصائية أولية بالخسائر: مئات القتلى وآلاف من المعتقلين لدى كلا الطرفين. معيشياً أدى إغلاق طريق عدن أبين الحيوي الرابط بين أربع محافظات كبرى إلى تعطيل حياة وأعمال الناس وزيادة مشاقهم. أما المعاناة الكبرى فحسب الحرب أنها تسببت في تشريد ونزوح أكثر من مئة ألف أسرة من أبناء أبين. قتل وتشريد واعتقال وهدم عمران حتى تكاد تبدو أبين محافظة أشباح خالية من البشر عدا أحد رجلين: مسلح يريد دخول الجنة لا باختراع علمي يخدم الأمة وإنما بقطف رأسه أخيه اليمني، أو جندي في كتيبة مغلوب على أمره يأكل "الكدم" والطعام الرديء غير  واثق من عودته إلى أسرته ذات يوم.
ينبغي إيقاف هذه الحرب خاصة وأن هناك طرفان عسكريان في اليمن، هما اللواء المنشق علي محسن وأبناء صالح، كل على حدة يرغب في البقاء في موقعه مستثمراً ورقة القاعدة ومخاوف المجتمع الدولية منها. ينبغي وقف اقتتال اليمنيين فيما بينهم وإنهاء معاناة المدنيين والأبرياء ولتذهب سياسة الحرب على الإرهاب وتنظيم القاعدة معاً، في رحلة واحدة، إلى الجحيم. ثم هل حقاً يشكل مسلحو زنجبار خطراً على أمن الولايات المتحدة؟ بحسب جون ميولر، الأستاذ الجامعي الأمريكي، فإن "إرهاب تنظيم القاعدة يقتل كل عام، في جميع أنحاء العالم، أقل من عدد الأطفال الأمريكيين الذين يغرقون في أحواض الحمامات والسباحة". هذا صحيح كرقم لا كحُجة. وإلا لقيل، وفق هذا القياس، إن ضحايا جمعة الكرامة أقل من ضحايا الحوادث المرورية في شهر واحد فقط.
وفي كتابه (تجار الإرهاب 2007) يتهم ميولر صراحةً الإدارة الأمريكية بتضخيم خطر الإرهاب واستثماره، داخلياً وخارجياً، لحساب جناح الصقور في البيت الأبيض والبنتاجون فيقول "إذا كان هجوم 11 سبتمبر كلف القاعدة أقل من نصف مليون دولار (تحديداً 113 ألف دولار حسب اعتراف رمزي بن الشيبه) فإن رد الفعل الأمريكي كلف حتى الآن نصف تريليون دولار ذهبت لشركات الأسلحة وأجهزة الحماية والمراقبة المتواطئة مع صقور البيت الأبيض". هل معنى هذا صحة هرطقات المعارضة اليمنية القائلة إنه تنظيم قاعدة من صناعة علي عبدالله صالح؟ يخيل إليّ أن الإدارة الأمريكية لا تمزح في هذا الملف وإن كانت أحياناً تلعب القمار.
عدا ذلك، وإضافة له، يتهم أهم فيلسوف أمريكي في كتابه "أمريكا الدولة الفاشلة" إدارة البيت الأبيض بتضخيم الإرهاب بل وتغذيته. يقول نعوم تشومسكي: "كل استخدام إضافي للقوة يخلق كادراً جديداً من الإرهاب" مضيفاً "إن المقاتلين الأجانب في العراق ليسوا إرهابيين سابقين بل صاروا متطرفين بفعل الحرب". وهذا باعتقادي حجر الزاوية أيضاً في اليمن: إن كثيراً من مقاتلي  أنصار الشريعة ليسوا متطرفين و"قاعدة" بالفطرة بل صاروا متطرفين بفعل حرب أبين وأخطاءها ووحشيتها. وما لا يؤخذ بالقوة قد يؤخذ بالحوار.
8
إذا أردت حكومة الوفاق، والولايات المتحدة الأمريكية، إيقاف نزيف الدم في أبين والخروج بحلّ، غير باهظ الثمن، فعليها فصل النتيجة عن السبب والقيادة المؤدلجة للتنظيم عن الأتباع. على حكومة باسندوة -وإن لم يكن قرار الحرب بيدها- أن تعي أن استمرار المواجهة العسكرية تزيد "أنصار الشريعة" قوة وتمنحهم مظلوميةً سوف تسوقهم في اليمن كلها كأصحاب قضية. عدا ذلك يجب التنبه إلى قدرتهم الاجتماعية اللامحدودة على الاستفادة من أخطاء الحرب وما أكثرها. إن كل غارة يقتل فيها مدني واحد فقط عن طريق الخطأ، كما حدث في جامع جعار وفي المعجلة وأماكن أخرى، سوف يُكسب الجماعة ألف تابع بين مقاتل ومؤيد ومتعاطف. آن لمنظمات المجتمع المدني أن تقود حملة ضغط شعبية إنسانية لوقف الحرب في أبين تماماً كحملتها لوقف حرب صعدة.
**
رابط صفحة المؤسسة على فيسبوك
http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A9-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%85%D8%A9/114130502045921?ref=hl

رابط عن الندوة

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional