الجمعة، 1 نوفمبر، 2013

أنسي الحاج يكتب عن شاب مغمور اسمه محمد العبسي

الشاعر اليمني الشاب محمد عبده العبسي يذكّرني في مقدّمة مجموعته «بل» بالعديد ممّا جزمتُ به في مقدّمة «لن» ونقضته في قصائد «لن» نفسها. يؤلم هذا التذكير وينعش اليقين بأن لا دائم في التنظير. لا ما يتناول الشكل فحسب، بل الجوهر، وهل نعرف الجوهر لنحجّمه؟ وأليس لكلٍّ جواهره؟
لم أتوقّف عن الاعتذار عمّا اقترفته من تنظيرات اعتباطيّة في شأنٍ لا يحتمل إلّا التواضع. وما جاء استنادنا أنا وأدونيس إلى كتاب سوزان برنار عن قصيدة النثر إلّا إغراقاً لنا في جملةِ أخطاء. ومهما أقسمتُ أن لا أعود إلى ذرّ النظريّات داومتُ على ذرّها بين الحين والحين مرتكباً أخطاء من نوعٍ آخر. كلّ هذا من باب التبرير. لا تزال قصائد «لن» وما تبعه هي المقدّمة الأصلح لموضوعي ولا يزال موضوعي هو حيث أغيب عن كلّ شيء إلّا عن نواة الحلم الذي فيّ لا يخطئ معي

تنويه لا بد منه:
شرف عظيم لي ان يذكرني شاعر وكاتب عظيم بحجم انسي الحاج في مقال له مجرد ذكر فكيف ان كان اكثر. غير إنه يتوجب علي الإشارة العابرة إلى ثلاث نقاط: 

أولا: تكاد تكون المسألة شخصية بالنسبة لأنسي الحاج لأنني تأثرت به وكان نصب عيني شخص واحد هو أنسي المتمرد والصوت الأكثر تمايزا ونقاء بين مجلة شعر. لقد كان حاضراً في ذهني عند كتابة هذه المجموعة التي من عنوانها: "بل" تذكر بعنوان واحدة من أهم المجموعات الشعرية في القرن العشرين.. والتي صدرت قبل 53 عاماً، وصارت أيقونة قصيدة النثر.. وبمثابة بيان الحداثة الشعرية العربية، وتلك المجموعة اسمها "لن" لأنسي الحاج. إنما على الاعتراف أيضاً أن "بل" انما هي طريقتي في قول "لن" وليس جحوداً بها أو نكراناً لها وأنى لي ذلك؟ ومن أنا لأفعل!
ثانيا: انسي لا يشير إلى مجموعتي الشعرية الأولى "وحيدا كالقطرة.. جميعاً كالأمطار" الصادرة عن دار أزمنة والتي من فرحتي بلقائي به في بيروت لم أعطه نسخة منه، وانما هو يشير في مقاله الأسبوعي بجريدة الأخبار إلى مجموعتي الثانية التي أطلع على مسودة ببعض نصوصها ومقدمتها والتي تحمل عنوان "بل" وكان لدي من الأسباب الكثير لأطلاعه عليها.
ثالثا: قبل لقائي بالأستاذ أنسي كنت قد زرت دار بيروتي لطباعة الكتاب الذي لم أرسله إليهم حتى الآن. وبينما أنا متجه إلى صحيفة الأخبار كنت خائفاً من أنتزع إعجاب الحاج بي.. ثم تصدر مجموعتي الشعرية عن الدار دون إطلاعه عليها، فيغير وجهة نظره عني كأن تبدو له كما لو أنها محاولة لاقتناص بطولة ونجومية أو أن أبدو له كشخص منافق، أُظهر له أثناء لقاءه بي له الحب والشعف والوله بشعره وكتابته، بينما أنا في مقدمة الكتاب أدين تنظيرات أنسي الحاج في مقدمة لن وأدونيس ويوسف الخال ومجمل أصحاب مجلة الشعر في الستينات، وما ترتب على تنظيراتهم من تسليع لقصيدة النثر ونمطية ويقينيات شعرية أشبه بـ"كتالوج" كتابي شبه مقدس.
والحق، إني قد انتزعت إعجاب وسعادة أنسي أثناء لقاؤه بي إلى درجة أنه قال يكاد لا يوجد في لبنان ولا معظم الجيل الجديد من الشعراء أحد مثلي إطلاعا على تجربته وتعمقا فيها ومتابعة لكتابته منذ مطلع الستينات. وغير ذلك مما تشرفت به وأثلج صدري وأود الكتابة عنه لولا خشيتي من انتهاك خصوصية محادثة عفوية وحميمة كأنها بين صديقين، إلا في حال اذن هو لي بذلك؛ وأظنه فاعل.

 وهذا هو السبب الذي دفعني إلى إعطاءه نسخة من مسودة المقدمة مع ثلاثة نصوص فقط للإطلاع عليها، على أن اسمع رأيه فقط في حال أعجبته المجموعة وكانت تستحق. وهو ما أكده لي بإشارة صرامة بتلويح يده في الهواء للتأكيد على أنه -كما أعرف- لا يجامل قط.وعلى هذا الأساس كان من المفترض أن نلتقي في اليوم الأول من معرض الكتاب الفرانكفونيين الذي يشارك فيه أحد أحب الروائين إلى قلبي أمين معلوف فمن المرجح ان نلتقي،غير إنني للاسف كنت في مساء يوم الجمعةعلى متن طائرة تابعة للخطوط المصرية متجها إلى القاهرة في طريقي إلى صنعاء.. وفي نفس اليوم الذي كان من المفترض أن نلتقي وتوجهت إلى مطار بيروت مغادرا نشر مقال أنسي الحاج الذي لم يخطر ببالي ولا في أحسن أحلامي أن اكون أحد المحاور الأساسية في مقال لأنسي الحاج.
يالها من هدية عظيمة.

لقد صدمت بما كتبه الحاج ولم أتوقعه أبداً ولا استحقه.
إنه لا يشجع شاباً مغموراً من بلاد معزولة عن العالم منذ ألف عام بكلمات دبلوماسية أو تحفيزية ويربت بيدي "الأب" الحنون الذي لا يرد أحداً على كتفي للمضي قدماً في الحياة على طريقة شاعر يمني ""كبير!"، فهو ليس من ذلك الصنف الدعي الذي يستهويه تقمص شخصية الأب والمعلم المرشد. انه يعتذر بصدق ولغة مؤثرة عن تنظيراته السابقة ويُدينها أكثر  وأقسى مما فعلت أنا في مقدمة "بل". ويصفها بالاعتباطية وليست كذلك أبداً.
يا إلهي كم هذا الرجل عظيم ومتواضع.
لكم شعرت بالخجل وأنا اقرأ فقرته المعنونة باعتذار مستمر! فكيف إن قلت لكم بمنتهى الصراحة والصدق إنني أرسلت مجموعتي هذه نفسها إلى ثلاثة أصدقاء عزيزين قبل عامين ولم يرد علي منهم سوى واحد، وكان رده سلبيا نوعا ما، ومحبطاً لكنه صادقاً واحترمته بينما لم يقل لي الآخران حتى كلمة واحدة حتى انها وصلت اليهم وبدوري لم أفتح معهما الموضوع رغم لقاءاتنا شبه المستمرة. سلام على أنسي العظيم.
____________________________________________

«كلّما جرّحتُ هذي البرتقالهْ تتبسَّمْ»


أنسي الحاج


 «مريم»
كلّما جرّحتُ هذي البرتقالهْ
تتبسّمْ
ربّما علّمها الحبّ وأعطاها جماله
ربُّها أو طفلُ مريمْ
كلّما أوغلتُ في البحر نأى الشاطئ عنّي
ولكي أسترجعَ الشاطئ في البحر أغنّي
كلّما امتدّت إلى النجم يميني
كان برقٌ خاطفٌ أسرع منّي
كلّما أوضحتُ ما كانت تقول الشجره
خَذَلتني سوسةٌ نائمةٌ في الثمره
هكذا نبدأ من حيث انتهينا
لا لنا شيءٌ ولا شيءٌ علينا».
بمثل هذه السلاسة يأتي الديوان الجديد لمحمد علي شمس الدين «النازلون على الريح» (دار الآداب).
وفي قصيدة عنوانها: «محمد الماغوط» نقرأ:

«هل تدور الأرضُ
أم أنّ الذي كان يدورْ
حَجَلُ الوقتِ
و«سيّاف الزهور»؟
باحثاً عن عشبةٍ
يودِعُها جوفَ الفلاةْ
عشبةٍ
كنّا نسمّيها الحياةْ».
لو انفسح المجال لمضيتُ في الاستشهاد حتّى امتلاء الصفحة والصفحتين. شعرُ النضج الذي أينعت حكمته وفي الوقت نفسه حافظ على نضارة المهارة. شعرٌ يتدفّق بغنائيّةٍ غنيّةِ الإيقاع وتجربةٍ إنسانيّة مثخنة بالجروح ومثقلة بأنوار الفجر. ومن أشدّ ما يغري في هذه المجموعة السرد ونغمة الحنين وصفاء الوزن اللذين يدغدغ بهما الذاكرة والسمع وسائر الحواس:
«في المنزل الذي ولدتُ فيه كان طائر،
يعيش مثلما نعيش في أمانْ
ورثه أبي عن جدّه
عن جدّ جدّه عن «الحبيب» مثلما يقولْ
وحينما سألته عن سرّ هذا الطائر الغريبِ
كيف عاش هذه القرونْ؟
أجاب أنّ سرّهُ في صمتِهِ»...
محمد علي شمس الدين في طليعة الشعراء الذين يفاجئون، على مضيٍّ في الأصالة. وأكبر مفاجآته لقارئ مثلي لم يعد يجد ضالته من الشعر الغنائي العمودي إلّا في بطون الدواوين العتيقة، قصيدته الآتية «طلل»:
«طللٌ على جبلٍ، وكان غرابُهُ
يبكي فيضحك سقفُهُ وترابُهُ
عزفتْ عليه الجنّ بعض غنائها
فتمازجت أعراسُهُ وخرابُهُ
ومشت عليه الريح مشيةَ خائفٍ
فتخلّعت من حسرةٍ أبوابُهُ
سئم المغنّي «دار عبلةَ والجوا»
وتقطّعتْ في صوته أسبابُهُ
ولعلّهُ ألقى ربابةَ حزنِهِ
ورماهُ فوق الناطحاتِ سحابُهُ».
الشاعر شاعر في أيّ شكل أراد. العطيّة الشعريّة لا تضيع بتنويع الأداء. بالعكس. الشعر أصواتُهُ جميع ما يرتئي، وما الرداء سوى حيلة.
النازلون على شعر محمد علي شمس الدين ضيوف محسودون.
 اعتذار مستمرّ
الشاعر اليمني الشاب محمد عبده العبسي يذكّرني في مقدّمة مجموعته «بل» بالعديد ممّا جزمتُ به في مقدّمة «لن» ونقضته في قصائد «لن» نفسها. يؤلم هذا التذكير وينعش اليقين بأن لا دائم في التنظير. لا ما يتناول الشكل فحسب، بل الجوهر، وهل نعرف الجوهر لنحجّمه؟ وأليس لكلٍّ جواهره؟
لم أتوقّف عن الاعتذار عمّا اقترفته من تنظيرات اعتباطيّة في شأنٍ لا يحتمل إلّا التواضع. وما جاء استنادنا أنا وأدونيس إلى كتاب سوزان برنار عن قصيدة النثر إلّا إغراقاً لنا في جملةِ أخطاء. ومهما أقسمتُ أن لا أعود إلى ذرّ النظريّات داومتُ على ذرّها بين الحين والحين مرتكباً أخطاء من نوعٍ آخر. كلّ هذا من باب التبرير. لا تزال قصائد «لن» وما تبعه هي المقدّمة الأصلح لموضوعي ولا يزال موضوعي هو حيث أغيب عن كلّ شيء إلّا عن نواة الحلم الذي فيّ لا يخطئ معي.
 صدّق أو لا تصدّق
أحياناً أعاود مطالعة الشعر الذي تحمّستُ له من زمان فلا أصدّق متى أغلق الكتاب وأرتاح من هذا الصدى! إيقاع الموت! أين تبخّرتْ تلك السكرات؟ أين عيناي؟ أين سحر الحروف؟
مللٌ يقتل. ما كان يلمع كالوعد بات ركاماً. هذا بودلير لا يُحتمل وهذا رمبو دعيّ المطلق. هذا الملك الضلّيل لا ينفتح له باب وذاك أبو نواس يتعثّر بالتمسخر ويقع في الطشط الجنسي اللزج وذلك المتنبّي لا يشبع من لحس دمه!
وشوقي، أحمد، الميزان الذي لم يحسم أين يميل!
ونحن معشر ديوك الحداثة أجهز أولادنا على الباقي بعدما فتحنا صندوق باندورا واندلقت منه أفاعي الكاوتشوك وعقارب القشّ. أعرنا أنفسنا لنكون جنود الهدم وبيادق القَدَر. أَطَعْنا إشاراتِ المرور الذي كان ممنوعاً وانتزعنا السدود وانتشينا بما تراءى لنا انتصاراً. ما كان أضعف خصمنا! ليتَ نستطيع إرجاعه من القبر! ولو لأيّامٍ نستأنف خلالها صراعنا وإيّاه. نُطيل أَجَلَه لتكون المهلة لتراجعنا أطول! لننتبه أنّ ما نفعله عقاب لنا ما بعده عقاب! تجنّبوا النصر! تجنّبوا النصر! ما من نصرٍ إلّا وراءه القبر! سلوا الإسكندر! سلوا يوليوس قيصر! سلوا صلاح الدين! سلوا فخر الدين! سلوا دون جوان! سلوا نابوليون! سلوا فكتور هوغو وبودلير ورمبو! سلوا دوستيوفسكي وشوبنهاور ونيتشه، سلوا سقراط وأفلاطون، سلوا موسى ويسوع ومحمد، سلوا أعواد المشانق ومقاصل الثورات، اسأل الكتب، اسأل شكسبير وسوفوكل وأوريبيد وأسخيلوس، اسأل دانتي وهوميروس، اسأل راسين ولافونتين وجبران، وماركس ولينين والماركي دو ساد، اسأل روحك، اسأل لياليك وأوهامك،
وصدّق أو لا تصدّق، سِيّان!
صفحة أخيرة/ الأخبار اللبنانية
العدد ٢١٤٣ السبت ٢ تشرين التاني ٢٠١٣

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional