الثلاثاء، 4 فبراير، 2014

مشيمة بين القرية والمدينة

بالنسبة لطفلٍ لم تتّسخ ياقةُ قميصه بعدُ أظنّ القرية ملائمة: أكانت قبراً سكنياً أم موجة إذاعية تاهت بالجبال.
تضجرني المدنُ الكرتونية.
ديوكُها كسلة. أشجارها بلاستيكية.
حتى أنسامها ناشفة جافة وكأنها من دون ريق.
وفوق هذا تغلق المساجد بعد العِشاء أمام المعدمين. هذا كثير. القرى تتمضمض بهم والمدينة مبْصَق. وقد امتلأ. 
أفقصدي لصنعاء. لهزيعها المصاب بشدٍّ عضلي. لأمعائها الغليظة ومعدتها الضامرة.
وفي المدن الكرتونية ليس تبورُ الأرصفة.
بالنسبة لي النوم على كرتون بالشارع ليس اضطراراً. هي تجربة تنقصني. مشاهد رعب تغشى أحلامي. ينقلبُ القارب. كأنها تونةُ غرق. فقاعات الغرقى هي ذاتُ طبول الماء. لكن الليل طويل

السّهر كقشرة موز.
الأرصفة حبالُ غسيل المدن
كم أحسدُ الأسماك على سقف الماء

واشتقتُ إلى أيام الطفولة وشقاوتها: التعلق بمؤخرة سيارة سيشتم سائقها أبويك. ارتداء الحذاءين بالمقلوب.
دفن بيوت النمل.
"وزّنْ بريال"
قذفُ لفّة كاسيتٍ على سلكٍ كهربائي ثم تحريكها كما لو أنها سنارة صيد. والاختباء داخل إطار حراثة
إذ يُنادي الأطفال: " غاب القمر ولا عادوا"
عادوا فعلا.
الطفولةُ في الريف أقسى لكن أشجع. عكّ البقرة في شعاب وحقول القرية أهون من بيع الجرائد في شوارع صنعاء.


يعرفُ
أطفال القرى
خمسين صنفاً من السحالي
والعقارب والحيات ولا يعرفون شكل المفتاح الكهربائي. لا ينتظرهم محل "شبس" عند المدرسة ولا ألعاب إلكترونية. لا يعرفون ماريوا ولا جرانديزر. بالكاد يلعبون حوادي وقدا، وليس لدى معظمهم "سيكل".
حرمانُ القرية ولا "ملْكد" المدينة.

من بعيد
تنقرُك أضواء النوافذ
البيوتُ أشبه بسناجب لا تضيء منها سوى الفروة. وجميع القرى اليمنية مليئة بالأساطير، ولياليها متشابهة.
فلا صوت يعلو على صوت الصراصير
مئاتُ الصراصير تصفّر. تتك
في نفس الوقت كأنها فرقة
تحرضك على التأمل
فكّيتُ المحزمة
وامتديتُ
آخر الليل بمقدورك سماع صوت زفير ثلاجة الشاي في المطبخ. الأصوات نظيفة والمسمع أرهف. أغرتني بالاستلقاء على ظهري فوق حافة سقف السطح
المنازلُ تشخّر
بعد منتصف الليل
والنجومُ تنطّف على البيوت
وصوت تصفير الصراصير الليلية يشبه تكّات ساعة حائطية!
للفجر أصواته
صيحاتُ الديك أذان
صوتُ مضخّات الريّ تسلّقي
فيما تبذر مغنيةُ الحقل الجبال بصوتها
وثمة مدقٌّ بين قدمي عجوز: طق.. طيق.

القاسم المشترك بين منزل في القرية وشقيقه بالمدينة: السقف. ثمة خزان مياه في كلا السطحين وسحالي وحبال غسيل.
التنكُ
مزهريات
الريحان والشذاب.
غرفة نوم الحمامات أيضاً.

بينهما برميل
أو نقطة تفتيش: قف.

قرية ومدينة:
حقيبتا سفر يوميتان على متن سيارات الـ"بيجوت".

قرية ومدينة:
سجادة قمح وإسفلت.
في الأولى فلاح بمعول، وفي الأخرى عامل نظافة بمعول أيضاً، لكن، تنقصه الِبذار. تنقصهما الاثنين الأرض الحنون.

قرية ومدينة:
المفتاح معلّق على رقبة كهل بحبل أو ربطة ربل. المفتاح مثبت داخل رزّة الباب. كلا البابين مغلق.

حقين/ نيدو
بئر/ قاروة معدنية.
"طاهش"/ كلاب ضالة.
الثابت هنا وهناك أن أحدهم سيمر فيما هو يفحس مخاط أصابعه على أقرب جدار.
لا تلتقي القرية والمدينة في آن إلا في صنعاء القديمة أو شخصية سائق البيجوت.
ربما.

                  نشر في صحيفة النداء في 2005م

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional