الجمعة، 19 سبتمبر، 2014

مقالي في السفير: حتى ملاك الموت حزين

محمد العبسي   *السفير العربي  
يتوجب على اليمني الانتظار لمدة أسبوعين، حتى يحصل على تأشيرة السفر إلى أوروبا أو أمريكا، وقد لا يحصل عليها، لكنه لا يحتاج سوى إلى بضع ساعات أو دقائق أو ثوان حتى ينتقل من الدنيا إلى الآخرة، ومن فوق الأرض إلى تحتها، دون تأشيرة أو طلب أو قلق الانتظار. رصاصة طائشة من مسلح متهور، أو حفل عرس، تفي بالغرض. موكب شيخ قبلي أو نزاع على قطعة أرض أثناء مرورك بالصدفة ينقلانك في ثوان إلى العالم الآخر. سيارة مسرعة أو طائرة عسكرية تسقط فجأة أو حادث مروري أو انزلاق صخري كلها حالات شائعة في اليمن. أما في حالة من تدور حوله القصّة فثمة قاتل عديم الإنسانية يطلب ثأراً من فتى صغير لم يجرح "لحاء شجرة" أو يؤذي مخلوقاً قط.
كان محمد ذاهباً إلى المدرسة عندما اعترضت طريقه رصاصة غير طائشة غيرت وجهته من الصف إلى المقبرة. 
هذا الصباح لن يُردد محمد النشيد الوطني ولن يسمع ثانية جرس الصباح. 

الأرجح أن صوت الطلقة الصادرة عن كلاشينكوف مجهول هي آخر صوت سمعه في حياته القصيرة. كان كل شيء مفاجئاً. رصاصة من الخلف استقرت في رأس الطفل.

هوى محمد على الأرض دون أن يدري من قاتله، ولا فيم قتله وما السبب، ولا من أي جهة أتت الرصاصة؟ كان يمشي في أمان الله والآن في رحمته.
اسمه محمد حميد العقاب وعُمره 13 سنة.
من الانترنت
انترنت
صباح يوم أربعاء كان محمد يرتدي زياً دراسياً أنيقاً في طريقه إلى المستقبل.
مساء نفس الأربعاء بات محمد ليلته في قبر مظلم لا تزيد مساحته عن متر ونصف المتر.
وبين هذا وذاك بضع ساعات ليس إلا. العدالة ليست في الأرض والحياة "في مكان آخر" بالتأكيد يا "كونديرا".
انظروا إلى صورته وهو ملقى على رصيفٍ كان ليضع عليه قدمه في خطواته التالية. كأني بروحه البريئة ترفض مغادرة ذلك الرصيف. أكاد أراه، من وراء الحُجب، يتلفت ويجوب شوارع "يريم" بحثاً عن قاتله. كأني باحتجاجه البريء يملأ ما بين طباق السماء والأرض.
ألا ترونه يقاوم الملائكة؟
ألا يشعر ملائكة نقل الأرواح بالحرج؟
يبدو لي أنه بحاجة إلى قِرب دم فقد نزف كثيراً.
لا تكاد تميز ملامح هذا الصبي. وسوف ينتقل إلى العالم السفليّ مثل "هيكتور" في إلياذة هوميروس أعمى، أبكم، بلا عينين بلا وجه، مع أنه لم يقاتل دفاعاً عن طروادة ولا عن شرفه الزوجي، ولم يسقط تحت ضربات سيف أخيليس العظيم. إنه ضحية ثأر غبي. وربما لهذا السبب هو الآن متذمر من تشوّه ملامح وجهه لكون الرصاصة أصابت جمجمته ولم تصب أي منطقة أخرى من جسده الغض.  

لم يدر ما حصل. كان كل شيء سريعاً. انطفأت الدنيا فجأة ولم يعد يسمع أصوات العصافير ولا أبواق السيارات وحركة الناس في السوق. كم من الوقت يستغرق الإنسان لمعرفة أنه انتقل إلى الضفة الأخرى من العالم وأنه أضحى ميتاً؟ لكنه طفل وصغير على استيعاب حقيقة وضعه. لا ريب أن الخمس الدقائق الأولى من موته كانت عصيبة ومحرجة على ملاك الموت "عزرائيل".
لم يأخذوا رأيه كما لم يسأله أحد عن ما يحتاجه تحت. وحده. هل لديه كشّاف إضاءة؟ أيحتاج ألعاباً للتسلية؟ ماذا كان يحلم أن يكون طياراً أم طبيباً أم بائع قات؟ هل يتوجب عليه ارتداء ثياب الأطباء والممرضين هذه؟ أشك في أنه يعرف ما اسم الشيء الذي يرتديه؟ قل له يا قابض الأرواح أنه ليس ثوباً ولا رداء طبيب. هذا كفن. يُلف على جسم الميت بإحكام وليس هو أول من تفاجأ أو ضاق به. لم يسبق لأحد أن ارتداه بنفسه. لم يسبق لأحد من قبل أن جرّب قياس الكفن على جسمه.
أظنه صرخ كثيراً دون أن يسمعه أحد طوال فترة توديع جثته في المنزل. أظنه قاوم بشدة لحظة وضعه المُغسّل في الكفن: ما هذا الشيء؟ لم هو ضيق ورائحته منفرة؟ إنه من دون جيوب!
من دون أكمام!
من دون أزرار وياقة!
لا يطيق الصبي هذه الكتْمة الخانقة.
من حسن حظ محمد أنه شهيد والشهيد لا يكفّن.
لكن شهيد ماذا؟ ألم تتعب هذه البلاد بعد من تصدير الشهداء؟
كان محمد يرتدي زياً دراسياً ويحمل حقيبة طالب مهموم بالدراسة وبقرب الاختبارات. الآن هو في الجهة الأخرى من العالم: ألا تسمعونه؟ حتى ملاك الموت "عزارائيل" أظنه غير راض عن طريقة قتله بهذه البشاعة.
أو لعله يتظاهر!
كان ذاهباً إلى المدرسة وفي ذهنه أسئلة الرياضيات والعلوم والنحو. الآن عليه الإجابة عن أسئلة المَلكين الدينية كـ: من ربّك وما دينك والجنة والنار وفق المعتقد الإسلامي. أحاول تخيل المشهد. أحاول تخيل سخطه واحتجاجه تحت. هناك في قبره الصغير الذي يشبه قرص رغيف. لدي إحساس غريب أنه سيرفض الإجابة على أسئلتهم:
- ما اسمك؟
على أية حال هم يعرفون الاسم.
أليسوا ملائكة السماء؟ أليسوا رسل الله؟
بم سيردُّ إن سأله الملكان، كما تروي كتب الحديث:
-        وعمرك فيما أفنيته؟
-        أي عمر؟
أظنه رد عليهما.
أو ربما قال ثلاث كلمات:
-          في قضية ثأر!
أخي عسكري في جهاز الدولة ضمن مصلحة الضرائب.
في العادة يتنمّر محصلو الضرائب على بائعي القات والبسطاء من أصحاب العربات المدفوعة بينما الأغنياء ورجال الأعمال أقل اليمنيين دفعاً للضرائب.
يروي محمد: حدث أن تشاجر أخي مع أحد باعة في السوق. كلمة بكلمة. ليس لدي فكرة كاملة عن الموضوع. يقال أن البائع أشهر جنبته فأطلق أخي النار عليه فأرداه قتيلاً. غاب أخي عن المنزل فترة. أودعته السلطات المحلية في السجن بضع شهور ريثما تسكن نفوس أهل القتيل وتهدأ القضية وليس لتطبيق العدالة. (تفاجئ محمد من قدرته على السرد بسلالة وبلاغة وكأن المرء يصبح أكثر طلاقة وخفة بمجرد مغادرة الروح للجسد).
يقول: بشكل أو بآخر، بتواطؤ أو من دون، بعلم وصلات أبي أو من دون، أُطلق سراح أخي فجأة بدلاً من إحالته إلى المحكمة واختفى. لم يعد إلى البيت وإنما فر إلى مكان مجهول. يقال أنه في صنعاء.
في الزمن السابق كان الرجل يصبر على ثأره ويطلبه حتى بعد عشرين سنة. في زمني هذا لا شيء ينتظر وكما يقول المثل الشعبي "الطارف غريم"!
لقد قرر أهل البائع قتلي بدلاً عن أخي. ما ذنبي؟
شخصياً لا أدري من أكره أكثر من الآخر:
أخوه أم قاتله؟
المجرم الفار أم القاتل الطليق؟
أجهزة الدولة الفاسدة أم ثقافة الثأر أم القدر؟
هذا الوجه البريء لا يبدو عليه أنه نام وفي جنبيه ذرة حقد على أحد.
ذلك واضح. لكن ما ليس بوسعي الجزم به هل قتل بعدئذ تناول إفطاره أم على الريق؟
هل عليه احتمال العطش حتى قيام القيامة؟ وهل ينتظروننا حقاً أم أن من مات "قامت قيامته" كما يقول الأوّلون. في الحقيقة كلما مات، أو قتل، طفل أو صبي دون الخامسة عشر من عمره أدرك أن الدروز على حق في معتقداتهم عن الروح وانبعاثها.
كنت لأتفهم لو ترصّد القاتل به عند خروجه من المدرسة مثلاً وقت الظهيرة والعطش يمزق الحلق، والدم يفور بشدة في رأس اليمني. لكنني مرعوب من فكرة أن القاتل بهذا النشاط والحيوية ليتربص بصبي في الثالثة عشر من عمره من الساعة السابعة صباحاً.
ينام الطيبون في هذا البلد عادةً للظهر بينما يستيقظ القتلة أبكر من الطيور!
والآن ماذا بعد؟
هل دفن وانتهى الأمر؟
هل سيحتج زملاؤه في الفصل؟
هل قرر جميع المدرسين الإضراب؟
لا أظن. المجتمع اليمني خذّال بطبعه وطبيعته.
والفتى كان ذاهباً للتعلم في مجتمع وبيئة تكره التعليم.
ولئن قتل هذا الطفل في بلدة يريم التابعة لمحافظة إب، على بعد 200 كيلو من العاصمة صنعاء لم يتحمس الرأي العام لقضيته ومرت كأنها حادثة اعتيادية مثل انقطاع التيار الكهربائي أو ضرب أنبوب النفط!
كان ليكون محمد العقاب حديث الشارع اليمني لو كان ضحية من الممكن استثماره سياسياً من خصوم القتلة، أو يصلح لتدعيم فكرة فك ارتباط الشمال عن الجنوب مثلاً، أو كان القاتل ينتمي لحزب الإصلاح فيتحمس المؤتمريون والحوثيون تلقائياً للقضية.. والعكس. هكذا تجري الأمور. إن عدم قتل هذا المسكين من طرف سياسي، إصلاحي أو مؤتمري أو حوثي أو سلفي، جعل قضيته غير مغرية وبعيدة عن الاستقطاب وتصفية الحسابات بين الثوار والفلول، واليسار واليمين، والشمال والجنوب، والحوثي والاخوان. وكلها أمور تحدد، مسبقاً، درجة اهتمام، أو خذلان، الرأي العام لأي قضية.
هذا الصبي دونه كل الفواجع.
قتلوه
طلباً للثأر!
استخفافاً بالدولة،
تعبيراً عن عدم الرجولة،
الاحتمالات كثيرة وكلها صحيحة.
إنه ضحية مجموعة أنذال يقتلون في الشارع العام!
يا ألله: لماذا؟
لم أتمكن من تأمل صورتك طويلاً يا محمد. كل معرفتي بك هو هذه الصورة. ولم اسمع باسمك إلا قبل ساعات عندما قرأت الخبر. كدت أتقيأ وأنا أرى صورتك وأنت ملق على رصيف أحد شوارع مدينة يريم. لكنك حررت كميات هائلة من دموعي المكبوتة.
لو كانت أوضاع البلد أفضل والناس أيسر، يستطيع مجتمع فيسبوك وتويتر يا محمد عمل الكثير لأجلك أنت وجميع ضحايا انتشار السلاح، والرصاص العشوائي، والمتعمد والطائش، وضحايا الأمن والأعراس والبلدية.
لم لا نقوم بتشنيع فعل القتل بكل اللهجات وبكافة أساليب الإقناع لعلنا ننصف ضحايا انتشار السلاح وضعف الدولة؟
توجد طريقة دوائية مجربة، ومضمونة النتائج، في أوروبا.
لم لا تقوم بعمل نصب تذكاري، أو لوحة، أو صورة مسورة بالزهور لكل ضحية في المكان الذي قتل فيه. ولنبدأ بك. هناك في الرصيف الذي أريق عليه دمك.
إنه احتجاج بصري.
تذكير قاس وتأنيب ضمير مصمت.

ورسالة للمجتمع المتساهل والممجد لثقافة السلاح وانتشاره. 

15/9/2014

• في الذكرى السنوية الأولى للحادثة، وبينما نُسيت تماما وما زال كل شيء على حاله: القاتل طليق والأخ فار والسلاح إلى ازدياد والقتل هو القاعدة.


* كاتب صحفي من اليمن

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional