الجمعة، 7 سبتمبر، 2012

أديروا وجوه ضحايا الغارات الأمريكية نحو السماء

      أديروا وجوه ضحايا الغارات الأمريكية نحو السماء

محمد عبده العبسي
كأنه يتحدث عن إصبع جُرحت عند فتح علبة السردين أو خدش موس أثناء الحلاقة. هكذا يبدو الأمر بالنسبة لوزارة الدفاع اليمنية. كفوا عن التذمر. إنه خطأ عارض. وشعرت وأنا أقرأ تصريح المصدر العسكري (مساء 3 سبتمبر) أن الضحية مذنب، وأن الملام سائق السيارة المتفحمة، وأن أولئك الـ14 مسافراً على طريق رداع هم من اعترضوا الغارة الجوية متسببين في نجاة إرهابي القاعدة والموت نيابة عنهم.
اقرؤوا الجملة التالية: "كان القصف الجوي يستهدف تنظيم القاعدة غير أنه أصاب سيارة تقل مواطنين أبرياء"! هكذا قالت وزارة الدفاع وكأن الجاني "غير إنه" الواردة في تصريحها!
ولم ترد كلمة أسف أو اعتذار، ولا أي م
سائق السيارة التي قصفتها الغارة
ن اشتقاقاتهما اللغوية، في تصريح المصدر العسكري وكأنه يقول تلميحاً فيما لم يقله تصريحاً: ليست غلطتنا. إنه خطأ السائق الذي ربما كان عليه تفحص السيارات المسافرة لمعرفة أيها تقل مدنيين وأيها تقل أعضاء القاعدة!
وكان الحسن البصري يقول: "ما سمعت الحجاج بن يوسف يخطب على المنبر إلا وظننت أن أهل العراق يظلمونه".
لعن الله المصدر العسكري واللجنة العسكرية ووزارة الدفاع. حتى سطر تعزية لأسر الضحايا الأبرياء تظنون به عليهم! هذا كثير. ماذا سينقص من وزارة الدفاع لو عزت أسر الضحايا وجبرت خواطرهم ولو تصنعاً. الاعتراف بالخطأ لا يحط هيبتها ولا يقلل قدرها وإنما الانحطاط كله في تنصلها من المسئولية الأخلاقية على ذلك النحو!
عزاء أسر الضحايا الوحيد أن ذويهم قتلوا بطائرة يمنية (من البلااااااد!) وليست طائرة أمريكية من دون طيار وكأن القتلى كانوا مهتمين بالتحقق من هوية عزرائيل ما إن كان أمريكياً أم يمنياً. من الفرنجة أم من المسلمين.
أسخف من تصريح وزارة الدفاع قرار مجلس النواب استدعاء وزير الداخلية. ما هذا العبط؟ ما علاقة الداخلية باختصاص الدفاع؟ إنها نفس حيل النظام السابق. بدلاً من استدعاء وزير الدفاع ورئيس جهاز الأمن القومي الذي لم يطأ يوماً قاعة البرلمان يُستدعى الوزير العاجز عن حماية مقر وزارته وكرسي مكتبه! سأنبئكم بما سيكون بعد أيام: سيقف الوزير أمام البرلمان كوقفة وزير الداخلية السابق رشاد العليمي قبله وسيتبيّن لنا جميعاً أن حزبا المؤتمر والإصلاح لم يتبادلا حقيبة وزارة الداخلية فحسب بل ربما يتبادلان الكذبة نفسها أيضاً: كذبة العليمي بشأن ضحايا المعجلة ديسمبر 2009 وكذبة قحطان بشأن ضحايا رداع سبتمبر 2012 إن هو قال إن الغارة شنها الطيران اليمني وليس طائرة البريداتور الأمريكية!
روبرت فيسك
حدقوا ملياً في صور أكياس الجثث ثم حاولوا بعدها تناول العشاء. ذكرتني صور ضحايا غارة رداع بصورة مؤثرة من تفجير تنظيم القاعدة الإرهابي في ميدان السبعين في 21 مايو. كان جنديا أمن مركزي مرميان على الأرض كما لو أن قوة ضغط الهواء، أو أحد الملائكة، مدد أحدهما فوق صدر الآخر بتلك الوضعية الآسرة. كان في تعابير وجهيهما وابتسامتهما وحتى وضعية أصابع يديهما اليمنى المتطابقة ما يقول أنهما أكثر بكثير من رفقة تجنيد عابرين وأن اسميهما مكتوبان جنباً إلى جانب، كنوع من الذكريات، على أحد جدران عنابر الأمن المركزي. إنهما الآن يطيران معاً دون معرفة سبب هذه النهاية.
وددت وأنا أرى صور ضحايا غارة رداع ممددين على بطونهم فوق صندوق سيارة هايلوكس لو أن بوسعي أن أعدل وجوههم وأديرها باتجاه السماء. كان روبرت فيسك قد رأى رأس رجل ألباني ملقى على عشب حقل في كوسوفو ثم عرف بعد برهة أن سيدة أنها قامت بتعديل وضعية رأسه على العشب لاعتقادها أن ذلك سيعطي الرجل المقتول كرامة أكثر إذا كان وجه الرأس قادراً على النظر إلى السماء".
من يدري. أديروا وجوه قتلى غارة رداع نحو السماء.

عن صحيفة الأولى

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional