الأربعاء، 14 نوفمبر، 2012

ملف جرحى الثورة 2: من أول إضراب عن الطعام إلى قاعة المحكمة الإدارية!

من أول إضراب عن الطعام إلى قاعة المحكمة الإدارية!
كان شباب الثورة اليمنية في الشهور الأولى من الاحتجاجات الشعبية يتسابقون، وهم الشجعان، على عصْبة رأسٍ وفّرها مديرو ساحة التغيير بصنعاء بكثرةٍ لكل من يريد اختبار جسارته في مواجهة الموت -أو بالأحرى القتل- وتحدِّيه بعصبة بيضاء يربطها على رأسه مكتوب عليها عبارة: "أنا الشهيد القادم"! العبارة الملساء التي اجتذبت أكثر الشباب حماسة واندفاعاً، واجتذبت معهم أيضاً عدسات التصوير. حتى أن أكثر الصور انتشاراً في صفحات التواصل الاجتماعي "فيسبوك" وقتها صورة طفل دون العاشرة صرفتنا طلتُه المحببة وقسمات وجهه المعبرة -إلى جانب حماستنا الثورية- عن سؤال أخلاقي مُنكّد هو: ما الذي يعرفه طفل دون العاشرة عن الدنيا حتى ينشد الآخرة؟ وهل ذاق الحياة واختبرها، في سنوات عمره التسع، حتى يطلب بإلحاحٍ تذوق المنية!
البدايات على الدوام جميلة كشروق الشمس.
محمد العبسي


Absi456@gmail.com
ولو تجول أحدكم اليوم في الساحة، التي صارت منبعثاً للروائح المؤذية، فلن يعدم رؤية شاب يستند إلى عكاز خشبي وإلى جواره لوحة مدرسية مكتوب عليها عبارة: "أنا الجريح المُضرب عن الطعام"! العبارة التي بدأت بجريح وحيد وانتهت بكتيبة جرحى حتى اجتذبت عدسات التصوير التي التقطت إحداها صورة مؤثرة لفتاة وقفت في قلب الساحة حاملة لوحة تضامن مع جريح الثورة "كويع الشميري" كتب عليها بالقلم الأحمر: "تمنيت الموت على أن أرى مهانة ومعاناة الجرحى فهل أصبحت دماؤنا بهذا الرخص".
تلك، باختصار شديد، قصة جرحى الثورة.
وبينما كان سائقي الدرجات النارية يقومون بإسعاف المصابين كنت أرى بعض جرحى جمعة الكرامة يشيرون بإصبعي السبابة والإبهام كعلامة نصر أو إشارة حرية. يُخيل إليِّ أن كثيراً منهم سيرفعون اليوم، إن أراد أحدهم عمل إشارة صادقة تعبّر عن حاله، إصبعاً واحدة هي بالتأكيد الوسطى.
ووسعت المبادرة الخليجية الجراح.
ولم يسمع أيّ منا الانهيارات الثلجية في نفوس شباب الثورة، وجرحاها، وهم يشاهدون تضحياتهم تتحول إلى زوج مجاديف، تقاتل مُجهدة وسط العاصفة، في مركب كبير اسمه أحزاب اللقاء المشترك.
كان المشترك حتى وقت قريب مركباً كبيراً يسع الجميع على اختلافاتهم، غير إن قادته تخلوا عن طيب خاطر، أو ربما بالإكراه الناعم، عن قيادة المركب وسلموها لرجال علي عبدالله صالح الأقوياء وأركان نظامه القدامى!

ماهر الحسني لا يبالي ما إن كان موته برصاصة بلطجي أم بموس بـ10 ريال!
إن أراد الرئيسان هادي وباسندوة احتراماً لنفسيهما أولاً، وإنصافاً لجرحى الثورة وتضحياتهم العظيمة ثانياً، فكل ما عليهما فعله أمر هيّن. القيام بخلوة قصيرة، لكن صادقة، مع النفس مدتها خمس دقائق للإجابة على السؤال التالي: ما الذي دفع شاباً عشرينياً كـ"ماهر الحنسي" إلى محاولة الانتحار بقطع وريد يده اليسرى قرب منصة ساحة التغيير وعلى بعد أمتار قليلة من المكان الذي حمل إليه على الأكتاف، قبل شهور طويلة، وسط رعاية وإشفاق الجميع عليه جراء إصابته بعيار ناري من أنصار الرئيس السابق؟
أتريدون إجابةً منصفة؟
ماهر الحسني
إنه اليأس ولا شيء آخر. بدليل أن ماهر الحنسي لم يبال، للحظات على الأقل، ما إن كان سيُحمل إلى المقبرة بوصفه شهيداً برصاصة بلطجي موالي للنظام، أم بوصفه منتحراً قطع وريد يده بموس حلاقة اشتراه بعشرة ريال من داخل ساحة الثورة!
ينبغي التنبه في هذا السياق أيضاً إلى أمر حساس. فليس من السهل، من ناحية نفسية وسلوكية، أن يقدم شاب في مجتمع متدين ومحافظ كاليمن على الانتحار. يحتاج ليفعل جرعة مضاعفة من الإحباط الذي دفع بـ"محمد بوعزيزي" لإحراق نفسه في مجتمع علماني كتونس ويحتاج ضعف عزيمته أيضاً. فبالقدر الذي يشجع المجتمع اليمني أفراده على ثقافة الشهادة، ويمتدحها، باعتباره ذروة سنام الإسلام بالقدر الذي يذم ثقافة الانتحار بوصفه كفراً بقضاء الله وقدره وخروجاً من رحمته. وبالتالي فإن علينا معرفة حجم الضغط النفسي الهائل الذي كاد يفتك به.
سألت صحيفة الأولى ماهر الحسني عن سبب خروجه مع الثوار فأجاب "بسبب أن هناك من يأكل من براميل القمامة ونطالب بالحرية". لكنه حين سئل عن سبب محاولته الانتحار قال بصراحة موجعة: "من المعاملة القاسية" وتكفي هذه الثلاث كلمات لانهيار جبل الجليد. وزاد: "لا يوجد علاج، نحن معتصمون منذ أكثر من أسبوعين فوق المنصة، لماذا لم يستجيبوا لمطالبنا؟" في إدانة واضحة لطريقة مديري ساحة التغيير في الاستخفاف بتضحيات الجرحى وسوء معاملتهم!
 وقال: "نحن قدمنا دماءنا وهم يصفوننا بالبلاطجة والحوثية. جسمي كله حبوب وحكة من أثر الحريق، يقولون إنه لا يوجد العلاج، اشتريت شفرة حادة بـ10 ريالات فقط، فقطعت يدي 4 مرات، ولم يظهر الوريد بشكل واضح، فتركت الدماء، ولكن الوريد الرئيسي لم ينقطع حتى أموت وأرتاح. أغمي علي ولم أدرِ بشيء حتى استيقظت في المستشفى من بعد الفجر إلى الآن".
وشعرت بالحاجة إلى البصق وأنا أقرأ الفقرة التالية: "القائمون على المنصة يقطعون الصوتيات بالليل، ثم يقولون للثوار إن الجرحى هم من قطعها، لكي يعملوا بيننا وبينهم مشاكل. ومن كثرة الألم والتفكير والغلب ما ننام مثل الناس".
والآن بوسعنا تكبير الصورة: إن القنوط الذي حوّله شباب الثورة إلى جرأة وجسارة نادرين في مواجهة آلة قتل النظام، بصدور عارية، هو ذاته القنوط الذي تحول بالتدريج، وسوء المعاملة داخل الساحات الثورية، إلى يأس جعل الجريح ماهر الحسني يتخذ قرار الانتحار باندفاع كان ليرسله إلى الضفة الأخرى من العالم لولا لطف الله. فمن حسن حظه أن وريد يده لم يقطع بالكامل فأخذ ينزف، بينما هو مغمى عليه، لثلاث ساعات قبل أن يُكتشف أمره ويتم إسعافه إلى نفس المكان الذي أسعف إليه من قبل جريحاً برصاص أنصار الرئيس السابق: "المستشفى الميداني لساحة التغيير". وبين المرة الأولى والثانية جرت مياه كثيرة انجرفت معها أحلام وتضحيات كثيرة.

زار بن علي بوعزيزي ولم يزر البيضاني والعزعزي لا هادي ولا باسندوة!
ودارت العجلة.
كان جرحى الثورة يخنقون احتجاجاتهم اليومية ويكبحونها، لأكثر من عام، في سبيل هدف نبيل: "حفاظاً على وحدة الصف الثوري ورحيل الطاغية" غير إن الخصم، كما والشريك، غير النبيل لا يقدر صنيع النبلاء. يحتاج الضعيف إلى استفزاز ضعفه حتى يغدو أقوى من مستفزه خصماً خارج الساحة أم شريكاً داخلها. وهذا أحسن ما قام به مديرو ساحة التغيير، وهراوات أشاوس اللجنتين الأمنية والتنظيمية: تعجيل الغضب المكبوح! كان جرحى الثورة بحاجة إلى استفزازهم أو جرح كبريائهم، والانتقاص من تضحياتهم، لإطلاق التنين الذي في داخلهم. وها هو ذا قد خرج!
جرحى محتجون امام القنصلية اليمنية بمصر
في الثاني من مارس 2012 أقدم شابان من جرحى الثورة، دون سابق إنذار، هما (عبد الله البيضاني وأنور العزعزي) على فعل أدى إلى الإطاحة برئيس دولة هو الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وميلاد ثورات الربيع العربي. في اليمن لم تتم الإطاحة بشيء: لا رئيس الدولة ولا رئيس الحكومة! لا وزير الصحة ولا مدير المستشفى الميداني ولا حتى مندوب ضرب المحتجين في اللجنة التنظيمية!
يا إلهي لماذا ترخص تضحيات اليمنيين، قياساً بغيرهم، وهي الثمينة؟
ينبغي، بصرف النظر عن النتيجة، أن يكتب في ذاكرة اليمنيين أن عبدالله البيضاني وأنور العزعزي أطلقا أول صرخة احتجاج مدوية على طريقة إدارة الثورة من قبل شركاء التسوية الخليجية وسدنة مراكز القوى. كان الظلام يرخي سدوله على العاصمة صنعاء بينما كانا يصبان البنزين على جسميهما الناحلين، على مرأى ومسمع الثوار فوق منصة ساحة التغيير، ثم أضرمت النار!
وبدلاً عن البحث عن أسباب ما أقدما عليه انشغل فصيلان من شقاة موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" بتحويل الحادثة إلى مادة دعائية لصالح كل فريق. الأول بدا فزعاً من "شيوع ثقافة ضالة في أوساط الشباب" ومطمئناً إلى أن سبب تأخر نصر الثورة هو هؤلاء العلمانيون. بينما حوّل الفريق الآخر مأساة إنسانية إلى "نصع" وتمارين على الرماية بين أطراف الأزمة ولصالح طرف ضد آخر!
ولم يزر العزعزي والبيضاني أحد من الصف الأول من قادة البلد. لا الرئيس هادي ولا باسندوة فيما كان برنامج وثائقي على قناة الجزيرة عن ثورة تونس يعرض صور الرئيس زين العابدين بن علي أثناء زيارته لمحمد بوعزيزي: أترون الفرق؟
كان من الممكن تفهّم محاولات عدد من اليمنيين إحراق أنفسهم، أول الاحتجاجات الشعبية، على أنها فعل بطولة ونوع من التأثر الشديد بشخصية محمد بوعزيزي من قبل متحمسين يجلون ما قام به  شرارة ثورات الربيع العربي. غير إنه ليس بوسع أي شخص يحترم نفسه، أو يستخدم عقله، أن يفسر إحراق إنسان لنفسه بعد الثورة، وبعد مجيء رئيس آخر وحكومة يرأسها رجل "معارض"، إلا بنتيجة مُرة عبر عنها الراحل عبدالله البردوني عام 1973 بالبيت الشعري الشهير في سياق حديثه عن ثورة سابقة: "صنعاء يا أخت القبور/ ثوري فإنك لم تثوري"! ويبدو أن هذه من تلك!

نفس الدستور الذي سمح بتصفير العداد لصالح وبـ5 إخوة في برلمان الوالد!
نص الدستور اليمني في مادتيه 56/57 على أن "توفر الدولة الرعاية الصحية لكل مواطن مجاناً في حالة الاعاقة والعجز". ليس علي من ملامة إن قلت بلّوا الدستور اليمني بماء واشربوه ما دام مجرد حبر على ورق عندما يتعلق الأمر بجرحى الثورة.
ولا تخلو فكرة الاحتكام إلى الدستور القديم من إهانة لتضحيات الثورة الشبابية. إنه نفس الدستور الذي سمح بتصفير العداد لعلي عبد الله صالح لدورتين انتخابيتين رئاسيتين وهو ذات الدستور الذي أتاح لخمسة من أبناء الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر أن يكونوا، دفعة واحدة، أعضاء في برلمان الوالد!
والدستور في اليمن خادم مطيع ونبيه للأقوياء ومراكز القوى بينما هو إداري معرقل للضعفاء والناس العاديين.
متى يطبق الدستور في اليمن؟ عند الحديث مثلاً عن حق أحمد علي عبدالله صالح في الترشح للرئاسة كما كان يرد والده في مقابلاته التلفزيونية. "إنه مواطن يمني يكفل له الدستور حق الترشح". هكذا كان يقول. يطبق الدستور بسلاسة عندما يفكر الشيخ حميد الأحمر، ومن هم في مثل نفوذه أو أقل، في إنشاء شركات عابرة للقارات. هنا يكون الدستور خادماً مطيعاً وسريعاً في إنجاز المهمة. أما عندما يتعلق بصغار الموظفين العاديين وذوي الدخل المحدود أو المهن البسيطة يبدو كما لو أن السلطات اليمنية هي الدولة الأولى في العالم التزاماً بالدستور واحتراماً للقوانين.
إليكم مثالاً توضيحياً:
في 1/1/2002 وجه الرئيس السابق علي عبد الله صالح رئيس وزراءه بأمرين: الأول نص بـ"تحويل مبلغ 500 ألف دولار لصالح وزارة الدفاع القسط الأول من قيمة مشتريات الخاصة بالقوات المسلحة". والثاني بـ"البحث عن أرضية مناسبة في الأمانة لمعوقي الحرب لبناء مدينة سكنية لهم". نفذ التوجيه الأول بسرعة عداء رياضي بينما لا يزال الثاني يبحث، متكأ إلى عكازين خشبيين، عن قطعة أرض لمعاقي الحرب التي توالدت حرباً، تلو حرب، من 94 وحتى 2010م.
وفي 17 مارس 2012 وجه الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي رئيس وزراءه "بتعويض القتلى والجرحى الذين سقطوا خلال الاحتجاجات واعتبار كل القتلى من المدنيين شهداء وصرف راتب جندي لكل شهيد ومعاق كلياً, فيما يُضم المعاقون جزئياً إلى صندوق الرعاية الاجتماعية, طبقا لنظام الصندوق وعلى الصندوق إعداد لائحة خاصة تتعلق بالشهداء والمعاقين كليا تصدر بقرار من رئيس مجلس الوزراء. وألزم القرار الحكومة توفير الرعاية الصحية للمصابين ومعالجتهم في الداخل أو الخارج".
هل نفذت حكومة محمد سالم باسندوة قرار الرئيس حرفياً؟
ما الفرق إذن بين توجيهي الرئيسين، السابق والحالي، وبين أداء الحكومتين المختلفتين؟ لا يوجد فرق سوى في الأسماء. وهذه هي النسخة الأصلية من واقع اليمنيين ومآسيهم!

بسام الأكحلي.. المستشفى الميداني ليس جمال المترب!
صورة بسام ترفع في مؤتمر الحزب
كيف نقنع بسام الأكحلي، أول جرحى الثورة، أنه أقعد في منزله جراء إصابته بالشلل النصفي كيما يحاضر رئيس جهاز الأمن السياسي لعقود غالب القمش، بتبجح ووقاحة، حول التغيير والثورة وأعداء اليمن؟
كان رجل الأعمال جمال المترب أكثر الناس هماً بحال بسام الأكحلي وكثير السؤال عنه. أراد تسفيره إلى فرنسا غير إن عوائق إدارية غيرت مسار الرحلة إلى الصين. وكنت شاهداً على حالات جراحية كثيرة بادر إلى دفع تكاليفها رجل الأعمال النبيل جمال المترب.
نشر النائب شوقي القاضي بصفحته في فيسبوك عن جريح عليه لمستشفى اليمن الدولي 360 ألف ريال وكل ما فعلته أني أرسلت البوست لرجل أعرف جيداً أنه ثار على نظام علي عبدالله صالح بمنتهى الصدق والنزاهة: لا رغبة في زيادة مصالح تجارية ولا سخطة من مصالح قطعت. ومثله قليل في البلد. طلبت من النائب شوقي رقم حساب المستشفى لأنني كما هو نفضل هذه الطريقة بعيداً عن أية شبهة. وبالفعل تم تحويل المبلغ، بعد يوم واحد، لحساب المستشفى.
في أكثر من مرة كان يبادر من تلقاء نفسه لمساعدة رجل نشرت قصته في موقع مأرب برس أو في إحدى صفحات فيسبوك. وإلى جانب مساعدات عينية وغذائية لأسر الشهداء أمضيت أسابيع ابحث في ساحة التغيير عن سائق "موتور" تم إحراق دراجته النارية عقاباً على قيامه بنقل الجرحى من بنك الدم إلى المستشفى الميداني. لم أعد أذكر اسمه ولم أتوصل إليه إلا عبر إصلاحي في لجنة الخدمات اسمه مختار القدسي على ما أظن. قيل لي إنه يُرى مذ فقد مصدر رزقه يجلس على رصيف قبل جولة سيتي ماكس. وحين التقيته كاد يقفز من الفرحة حين أخبرته أن رجل أعمال اسمه جمال المترب اشترى لك دراجة نارية وكل ما عليك فعله هو الاتصال بأحد مدراء شركته. بعد أيام اتصل بي وأعطاني رقمه وطلب مني أن اتصل به في أي وقت إن أردت خدمة أو توصيلة على الموتور الجديد". ضاع الهاتف وضاع اسمه سائق الدراجة النارية! كما انقطع تواصلي منذ شهور طويلة بالرائعين من أمثاله ولم نعد نرى في الساحة إلا بقايا أشباح وجنود الفرقة أولى!
ربما كان علي احترام رغبة جمال المترب في عدم الإفصاح عن أعماله الخيرية وهذا نزر يسير منها غير إن علي إنصاف هذا الرجل في مجتمع بلا ذاكرة وجاحد وإن كان ذلك سيتسبب بزيادة أعداد الانتهازيين لا المحتاجين على بابه. كان باسندوة قد عرض على المترب حقيبة التجارة في حكومة الوفاق كنوع من المكافأة كالتي فعلها باسندوة مع فتحي توفيق وسبأفون فور توليه، غير إن المترب وكشخص نزيه ومبدئي رفض وقال: "إن قبوله بكرسي الوزارة هو استمرار لنهج نظام صالح ومسئوليه في الجمع بين التجارة والعمل الحكومي". لدي سبب لذكر هذا الرجل على غير عاداتي في ذكر أسماء رجال أعمال أو مسئولين. إنه مختلف كل الاختلاف عن طينة الميسورين في البلد. الأمر الآخر، والأهم، أنباء غير سارة سمعتها عن بسام الأكحلي طريح الفراش.
قبل أسابيع أخذت رقم بسام الأكحلي من الرفيق هاني الجنيد لزيارته أو حتى للاتصال به غير إنني حتى الآن لم افعل. لا أقوى على سماع صوته ولا أرغب في رؤيته طريح الفراش!

ما انطباع أبناء علي الصلاحي عن ثورة ركلت الأقوياء إلى أعلى وركلت آخرين إلى أسفل؟
الاستجداء جرح آخر.
إن أكبر إهانة لجرحى الثورة، وهم صناع التغيير على الحقيقة، أن يجدوا أنفسهم مجبرين على طرق الأبواب الحكومية والتردد عليها، باستمرار، كما لو أنهم أصحاب شريعة ومحاكم ملئت جيوبهم بالعشرات من التقارير الطبية التي لم تداوي جريحاً أو تدن تقصير مسئول حكومي؟
علي الصلاحي.. توفي في ظروف غامضة
حتى خارج اليمن جرحى الثورة عرضة للمهانة وقلة الحيلة. وقبل قيام الجريحين (العزعزي والبيضاني) بمحاولة إحراق نفسيهما بشهر واحد تظاهر، في الـ26 من أبريل، العشرات من جرحى الثورة لا أمام منصة ساحة التغيير كما جرت العادة وإنما، ياللخجل، أمام مقر السفارة اليمنية في القاهرة. ولديهم حق.
الإهمال يطارد اليمني حيث حل. ففي 25 ابريل توفي الجريح علي الصلاحي، وهو عقيد في الجيش، متأثراً بجراح غير مميتة كون إصابته في الكتف والذراع. الغضب قليل في حالة مثل هذه. فقد خسروا إنساناً لم تحن، بلغة الطب لا الآجال، ساعته. ولم يعد باستطاعتهم استعادة رفيقهم فقرروا التظاهر والمطالبة بإجراء تحقيق جاد لمعرفة أسباب وفاة الصلاحي غير إن مطالبتهم ذهبت أدراج الريح كعشرات اللجان التي قيل إنها شرعت التحقيق في تفجير السبعين، ثم في تفجير كلية الشرطة، وليس انتهاء بشحنة الأسلحة التركية.
مؤكد أن أبناء علي الصلاحي يحملون انطباعاً سيئاً للغاية لا عن ورثة علي عبد الله صالح في السلطة فحسب وإنما عن الثورة التي ركلت الأقوياء إلى أعلى وركلت أمثاله إلى الأسفل.

كويع.. جيافرا الجرحى!
أحد هؤلاء كويع الشميري أحد المصابين في مسيرة "بنك الدم". لغط كبير أثير حول قصة كويع الذي تحول إلى جيافرا الجرحى. يدعي كويع أنه "باع مضطراً كل ما يملك وأقترض أموالاً كثيرة للسفر إلى مصر من أجل العلاج" غير إن إصابته لم تبرأ تماماً وقد عاد على تركة دُيون جعلت أصحابها يغلقون محله في ساحة التغيير". طلب كويع من اللجنة التنظيمية والمستشفى الميداني تسديد فواتيره غير إنهما رفضتا ولديهم حجة وجيهة: نحن نعالج ولا ندفع أموالاً عينية. غير إن كويع وغيره يعرفون إن ما يقولوه مديرو الساحة ليس صادقاً على الدوام.
كويع الاوسط
مع التجريح اللفظي وسوء معاملة اللجنة التنظيمية التي لا تحتاج دليلاً أو برهاناً تحول الأمر بالنسبة لكويع إلى تحد شخصي. كل من هو في مكانه يسمع يومياً لا شك من يلمزه ويلوموه على الخروج في مسيرة دعت إليها توكل كرمان أو يقول له "خلي توكل تعالجك" داخل الساحة وخارجها. فضلاً عن حملة تشهير واسعة نفذها مديرو الساحة و"منظموها"!. لكن كويع ليس من ذلك النوع من الناس الذين يهزمون بسهولة. على العكس. لقد ارتدى ثياب المعركة واستعد للقتال: في البداية دشن حملة توقيعات من جرحى وثوار لمناصرته. ثم ذهب أبعد من ذلك بالإضراب عن الطعام لمدة ليس من السهل تصديقها: ثلاثة عشر يوماً، كما يؤكد كثيرون، إلى أن تدهورت صحته واعتل بدنه.
كان كويع على أية حال بحاجة إلى القليل من الوقت للانتصار في معركته الشخصية وآخرين جرأهم بحماسته وشجاعته. ثم إن أخطاء مديرو الساحة، وهي بالجملة والتجزئة، كانت تصب في مجملها لصالحه دون عناء أو جهد حتى تحول في زمن قصير من "فرد مبتز" -هكذا كان ينظر إليه المنظمون ويصفوه- إلى تيار واسع من الجرحى الثائرين على لصوص المساعدات الطبية ونهابة الهبات المقدمة باسم الجرحى.
لقد عمل، وهو الفرد، على استغلال أخطاء مديري الساحة: فكل جريح تساء معاملته، أو يهمل، أو يحرم مما يحصل عليه آخرون، لديهم مؤهلات حزبية مثلا أو معروف، كان ينضم على الفور إلى كويع وتياره حتى كبر وجاء اليوم المشهود بالنسبة لكويع ورفاقه. ففي 25/06/2012 نفذ العشرات من الجرحى إضراباً جماعياً في ساحة التغيير وعقدوا مؤتمراً صحفياً ي. في تلك اللحظة انتصر كويع. لا لأنه حصل على ما يريد فعولج وقضي دينه. كلا. بل لأن فكرته انتصرت ولأن استطاع إقناع العشرات بالتعبير عن احتجاجهم وسخطهم بطريقة غير مشجعة كان قد جربها وحيداً وخرج منها أقوى وأصلب: الإضراب عن الطعام.
وتوالت الاعتصامات أمام مجلس الوزراء واتسعت كرة الثلج!

ثلاثة معاقين أجلسوا باسندوة في كرسيه وأجلسهم هو تحت الشمس!
كانوا وقود الاحتجاجات الشعبية وحناجرها التي هتفت بصدق وجسارة: "الشعب يريد إسقاط النظام". "الشعب يريد إسقاط النظام". لكن أحداً آخر، غير نظام الحكم طبعاً، هو من سقط: إنه هؤلاء الثلاثة الذين سقطوا برصاص النظام قبل أن تتحول إصابتهم، نتيجة الإهمال وقلة الحيلة، إلى شلل وإعاقة حركية!
تقول لحية الشيخ علي سعد الخضمي الوقورة البيضاء وسنوات حياته الـ65 أنه خبر الكثير من الانعطافات المصيرية في تاريخ اليمن الحديث. كان صبياً عند اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962م وليت الزمان توقف في تلك السنة. وعند انقلاب 67 وسيطرة نفس القوى التقليدية المشيخية على ثورة سبتمبر كان شاباً فتياً. وانخرطت السنوات حتى جاء الرئيس إبراهيم الحمدي بعهده الميمون لكنه رحل سريعاً كحلم بين كابوسين. خلفه الغشمي بضع شهور ثم لحق بصاحبه مقتولاً أيضاً. ثم حاز الرئاسة علي عبد الله صالح الذي أمسك بها بيديه وأسنانه طوال 33 عاماً حتى شاب شعر لحية الخضمي ورأسه. بدء من يناير 2011 تنادى اليمنيون بثورة سلمية فخرج الخضمي ملتحقاً بهم وفي نيته القصاص من خمسين سنة خلفها وراءها في انتظار اليمن الذي يحلم به منذ نصف قرن. وحتى عند إصابته في وقعة كنتاكي بطلق ناري في رجله اليسرى فوق الركبة أظنه فكر بنهاية سعيدة ودخول اسمه في قائمة المخلدين. وبينما كان يحلم كان الأطباء في مستشفى الكويت يبترون رجله من مكان الإصابة ربما بسبب الحالات الكثيرة والضغط الشديد، أو ربما لأن الرصاصة قطعت- كما قيل- أوردة وشرايين وأعصاب رجله وكان البتر ضرورياً. على أية حال يشغل بالي سؤال مزعج: هل خطر ببال الحاج الخضمي، في أسوأ الأحوال، أن يأتي يوم يقف أمام بوابة رئاسة الوزراء للمطالبة بعلاجه من حكومة الوفاق التي جلست وزراءها على كراسيهم بفضل تضحياته هو ورفاقه؟
للأسف أتى ذلك اليوم المشئوم!
وفي 23 من سبتمبر الفائت نفذ هو ومعاقان آخران هما يوسف الفاشق عبده فارع القعد وقفة احتجاجية أمام مجلس الوزراء للمطالبة بعلاجهم على نفقة الدولة حاملين لوحة كتب عليها "إلى باسندوة كل المصايب على بابك هونت إلا مصيبتي عند تهون".
أيها المعاقون الثلاثة: لكم السلام وعليهم اللعنة

المحامي نجيب الحاج: واثقون من عدالة حكم المحكمة الإدارية
نجيب الحاج المحامي
وحانت ساعة أول مواجهة بين الجرحى والحكومة والمستشفى الميداني في اليوم الذي تقدم المحامي نجيب الحاج إلى المحكمة الإدارية بطلب رفع دعوى قضائية باسم المدعي "جرحى الثورة الشبابية السلمية". هذا يوم تاريخي. فللمرة الأولى تعترف محكمة يمنية بـ"الثورة الشبابية السلمية" وليس هذا بمستغرب عن المحكمة الإدارية وقاضيها الكفؤ والشجاع القاضي بدر الجمرة.
وقال المحامي نجيب الحاج قد استند في دعواه، بمعية 7 محامين آخرين، إلى المادة (55) من دستور الجمهورية اليمنية، وما نصت عليه صراحة المادة(1) الفقرة (ج) من القرار الجمهوري رقم(8) لسنة 2011م بشان ضحايا الاحتجاجات السلمية. ونصها: (على الحكومة توفير الرعاية الصحية للمصابين ومعالجتهم في الداخل أو الخارج بحسب طبيعة الإصابة).

وقال الحاج للأولى: "إن الحق في الصحة هو من أهم الحقوق الأساسية التي نصت عليها معظم الصكوك والمعاهدات الدولية والإقليمية منها المادة (12)من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966م، والمادة (25)من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان1948م ،وكذلك العديد من الدساتير الوطنية في شتى أنحاء العالم". وأضاف: "نحن على ثقة كبيرة بنزاهة وعدالة المحكمة الإدارية وقضاتها الأجلاء في الانتصار لجرحى الثورة الشبابية والحكم لهم في القضية المقدمة بين يدي عدالتهم".

وكان 7 من جرحى قد قاموا بتوكيل النائب أحمد سيف حاشد بتمثيلهم والقيام مقامهم وتوكيل من يراه في قضيتهم مع المدعى عليها. وهم
1-    بسام ياسين عبده عثمان
2-    عبد الله فارع علي العبسي
3-    محمد عبد الله سعيد
4-    خالد احمد صالح اليريمي
5-    عادل علي سيف العماري
6-    عيسى عبد الله احمد الصوفي
7-    سامر عبدالجبار الصلوي

هناك تعليقان (2):

أحمد عبدالله جحاف يقول...

هل يهون جريح الثورة على الثوّار ؟؟

محمد عبده العبسي يقول...

مع الاسف يا صديقي.. هذا الحاصل

Disqus for TH3 PROFessional