الثلاثاء، 21 مايو، 2013

دخول السلاح إلى اليمن أسهل من دخول الكتب


تدخل وزارة الثقافة فكأنك في الأعراف بين الجنة والنار بالضبط حسب الوصف القراني.
كائنات عابسة ووجوه تذكرك بالديون وإيجار البيت وحساب البقالة، وكل ما يكدر المزاج، الموظفون مسلحون بالتجهم وهم المعيشة، وكيف يحولون معاملتك الإدارية إلى مصدر دخل غيرمشروع لهم عبر افتعال "عراقيل" كثيرة لا تعدم على موظف حكومي.
هل أخظأت المكان؟
هل نزلت في الكوكب الخطأ؟
كل سلبيات المجتمع اليمني موجودة هنا ما عدا الثقافة. ما يذكر بتهكم عبدالله البردوني حول التسميات ومدى زيفها! حين قال: كأن تجد لصا اسمه أمين".
الآن فقط أدركت سبب تعاسة وبؤس المثقف اليمني.
كان المثقفون يتعرضون للتنكيل من الأنظمة القمعية بالحبس والنفي. وأكبر تنكيل يمكن أن يتعرض له المثقف اليمني القيام بمعاملة إدارية داخل أروقة وزارة الثقافة.


لا أحد يعمل هنا على ما يبدو.
الموظفون في الطواريد أو منكبون على حل الكلمات المتقاطعة والتهكم المر على الوزير. معالي عبدالله عوبل،الوزير المحسوب على الثورة، أداؤه مخيب للآمال ويذكره موظفو الوزارة بوصفه مولعا بالسفريات. يروي لي شاعر كيف أنه رفض صرف مساعدة علاجية لفنان يمني من أصول سودانية!ما زلت حتى الآن مصدوما وغير مصدق غير إنني تذكرت على الفوز ما كتبه بحرقة العزيز عبد الكريم الرازحي عن مآل حزب الجاوي.

الفقر يداوم كل صباح في هذه الوزارة. كان وضعها مزريا في السابق ويبدو أن حكومة الثورة تذكر الناس بالمثل القائل "من شابه أخاه ما ظلم".

كانت فترة خالد الرويشان القصيرة مثل حلم جميل بين كابوسين، رغم "شلليته" وهوسه بالإعلام وكل ذي لمعة. اليوم الوزارة أشبه بضريح!

ذهبت إلى الوزارة من أجل الحصول على مذكرة إلى مطار صنعاء. كانت مجموعتي الشعرية الأولى قد وصلت قبل أربعة أيام من دار أزمنة في عمان بالأردن. ظل الكتاب في المطبعة ستة أشهر لعجزي عن سداد بقيةالمبلغ المستحق للدار الأردني المرموق وما إن وصل حتى تيقنت أن الثورة ما زالت شعارات حماسية في الساحات والفيسبوك ولم تصل بعد إلى المؤسسات والوزارات والحياة العامة التي يعشش فيها الفساد الإداري والأخلاقي والإهمال والتسيب.

ثلاثة أيام وأنا ألاحق بعد المذكرة. 
كان الزميل العزيزماجد المذحجي والأستاذ عبدالباري طاهر قد اتصلا بالشاعرة هدى أبلان نائب وزير الثقافة بخصوص المذكرة. تحدثت مع هدى فوجدتها في منتهى اللطف والحرص وأناقة من يكتب شعرا.صادفت في الوزارة شخصان مسئولان هما عبدالله بداح الذي تصرف كرجل يحترم عمله ويعمل بجد في المصنفات الفكرية.الآخرأسامة القرشي وهو شقيق الصديق العزيز سامح القرشي حتى النصر.

في اليوم الأول انتظرت رفقة الشاعر علوان الجيلاني جلال لأحمدي وعبدلرقيب الوصابي حتى توقع الرسالة، وقبل نهاية الدوام قيل لي إنها وقعت ولكن مختص القيد روح.

في اليوم التالي كاتت المعركة في جمارك مطار صنعاء. انا أريد إدخال مؤلف شخصي فقيل إن عليه 11% ضرائب ورقم ضريبي وثمن بوليصة ومبالغ أشك كثيرا في كونها تصل إلى الخزينة. أعرف أن أحدا من كبار النافذين في البلد مثل حميد الأحمر وغيره لديهم حيل متقنة للتهرب الضريبي. لكن أنا كاتب. بالكاد استطعت توفير 1700 دولار ثمن الطباعة. أدركت أن كفر الناس بالتغيير ليس ترفا ولا نزوة.

تدخل الأسلحة الخفيفة والثقيلة إلى اليمن بسهولة وها إني منذ أسبوع أحاول إدخال كتاب وأعامل من مكتب إلى آخر.

صباح اليوم عدت إلى وزارة الثقافة من أجل المذكرة التي قيل لي في الجمارك أنه من المستحيل بدء المعاملة قبلها.كان نائب مدير الجمرك يتحدث وكأنه في سويسرا. ورغم وجود مندوب رقابي للوزارة في المطار إلا أني رضخت للإجراء الروتيتني وتوجهت إلى وزارة الثقافة. قيل لي في ادارة المصنفات إن الرسالة في مكتب نائب الوزير.نزلت فاذا بمدير المكتب في البوفيه. أسأله بلطف عن المذكرة فيقطب وجهه ويتجهم وكأني طلبت منه أن يتبرع لي بكليته!

ثم بدأت اللعبة: قال عادل أسأل عنها علي، وعلي قال مدري، أسأل عادل. وهكذا عدت للمصنفات فنزل عبدالله بداح مشكورا معي للبحث عنها. وعندما دخل هو ومدير المكتب البحث عنها في مكتب نائبةالوزير صرخ علي وهو سكرتير على ما يبدو قائلا: لا يحق لكم البحث!
إنه يتصرف كصنف من موظفي الدولة يتلذذ بعرقلة معاملات الناس.

شعرت بالإهانة وكم تعجبت من كون شاعرة بلطف ودماثة وأخلاق هدى أبلان تسمح أن يكون طاقم مكتبها بهذه الفضاضة.

غادرت منفعلا متجها للمطار. وفي الجمارك وما أدراك ما الجمارك أمضيت أربع ساعات أتنقل من مكتب إلى اخر في معاملة إدارية منهكة. ولولا وجود شخصين عزيزين أمين جمعان في المطار ونجيب الكبسي، شقيق الفنان فؤاد الكبسي الذي لولاه لاستغرقت المعاملة مني أسبوعا آخر. كان يركض من مكتب لآخر، يتصل، يلح على نائب المدير، مع أن كل معرفتي به من الفيسبوك وكان أول لقائي به صباح اليوم.
إنه شخص نبيل بكل ما تحمله الكلمة.

بعد أن تبقى في المعاملة توقيعان لا أكثر وأتوجه إلى الصندوق لدفع ضريبة الكتاب قيل روح أمين الصندوق. حاولت مع المدير ونائبه وغيرهما دون جدوى. كان بالإمكان إحالتي إلى المناوب خاصة وأنها مجرد كتب ولكنهم يتلذذون بإرهاق أصحاب المعاملات!


غادرت الجمارك وأنا أشعر بالهزيمة حاملا نسخة يتيمة من مجموعتي الشعرية. آه لقد أفسدوا علي فرحتي بإصداري الأول. والآن أفكر بمعاناة استكمال المعاملة يوم السبت بدلا من الاحتفاء بوصول النسخة الأولى من الكتاب بالتزامن مع "عيد 22 مايو" والذي يبدو أني أصبت بلعنته ودبوره اليوم

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional