الجمعة، 7 مارس، 2014

خطورة مذهبة الصراع السياسي في مصر على طريقة العراق وسوريا *

في منتصف يونيو الفائت سُحل حسن شحاتة القيادي الشيعي في الجيرة بتهمة سبّ الصحابة وقتل.
ثم في 30 يونيو، يوم الخروج الكبير للإطاحة بنظام الإخوان المسلمين، سُحل مصري آخر ينتمي لجماعة الإخوان في حادث عرضي في المقطم بتهمة أنه "قناص" أطلق الرصاص على المتظاهرين أو، بالأحرى، على مقتحمي مقر التنظيم. في الحالتين كان الجناة مواطنون عاديون أخذتهم العصبية والحماسة الدينية، في حالة الأول، والثورية السياسية في حالة الثاني، إلى اقتراف الجرم العلني الجماعي البشع، مانحين أنفسهم حق إصدار الحكم الفوري على شخص ما اعتبروه مذنباً وشرعوا في تنفيذ الحكم الارتجالي التعزيري بأيديهم قتلاً (في حالة شحاتة) وسحلاً.

لا تملك أية جماعة، أو فئة، تنفيذ حكم قصاص على قاتل أو مجرم فكيف بصاحب رأي في حالة الأول أو مشتبه به في الثاني! ومتى ما صارت سلطة إنزال عقوبة ما، مستحقةً أم ظالمةً، في يد فرد أو جماعة وليس الدولة ومؤسساتها حصراً فلا مجال وقتها للحديث عن دولة مدنية ولا قانون ولا دستور. لقد انفرط العقد ومن الممكن أن يخرج الوضع في أي لحظة عن السيطرة. 
وحدها الدولة ومؤسساتها من يحتكر أدوات القهر المادي وسلطة فرضها على المواطنين بقوة القانون حتى في الدول النامية، فكيف بالمتقدمة. وإذا كانت ثورة 25 يناير 2011 في مصر إنما اندلعت من أجل تعزيز دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون فإن هاتين الحادثين، أكانتا على هامش تمرد 30 يونيو أو متنه، فإنهما مؤشر خطير على عودة مصر مئات السنين إلى الوراء إلى ما قبل محمد علي باشا أو الحاكم بأمر الله. 
كانت أنظمة معمر القذافي وحسني مبارك وصالح وزين العابدين والأسد، التي واجهت ما عرف بـ"الربيع العربي"، أنظمة عائلية استبدادية فاسدة ومشوهة تستأثر بالحكم والثروة، تنتهك القانون، تزور الانتخابات، تقمع الحريات والصحافة، تفرخ الأحزاب، تسجن المعارضين، تتدخل في القضاء وتوجه أحكامه، لكن كل فظاعاتها، المثبتة والمزعومة، لم تكن مجتمعةً تستفزّ الهويات الدينية والمذهبية النائمة داخل المجتمع (باستثناء صالح إلى حد ما في حروبه ضد الحوثيين والخطاب التحريضي المصاحب لها الذي أيقظ الهوية الهاشمية النائمة لشعورها بالاستهداف من صنعاء من جهة، ومن السعودية خلفها).
ما أود قوله إن هذه الأنظمة القمعية الممسوخة ومهما بلغت شناعتها، ضد الأفراد أو الجماعات، لم تكن لتستفزّ الهويات الدينية والمذهبية النائمة وتنعش خطاباتها الممزقة للنسيج الاجتماعي إلا بالقدر الذي في مقدروها التحكم به والاستفادة منه. ولم يشهد العالم العربي في العقود الأخيرة حالات سحل مشابهة كهاتين الحالتين اللتين شهدتهما مصر حسب علمي. (لاحظوا أيضاً أننا نعرف المسحول الأول حسن شحاتة ولا نعرف اسم الثاني. ذلك أن الدافع السياسي كان حاضراً في الجريمة الثانية بخلاف الأولى).  
قد لا يتذكر الناس بعد مائة عام ضحايا الأنظمة الاستبدادية والاغتيال السياسي في الوطن العربي وإن تذكروها فبشكل أقل من جرائم العنف المذهبي والديني. أي تأبيناً لذكرى أو لاستخلاص درس تاريخي. وبالعكس، أما جرائم الاقتتال الطائفي والعنف المفرط ضد الأقليات فاستحالة نسيانها، إنها تغذي دورات عنف مستقبلية وتورث ضغائن عابرة للأجيال، وهنا الخطورة.
عند اندلاع الربيع العربي في مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا كان الموالون للأنظمة والمدافعون عنها يسوقون حججاً من قبيل "هذا تمرد على الشرعية"، هذا "انقلاب على إرادة الشعب"، هذا "مخطط أمريكي أو خارجي".. إلخ هذه التبريرات السياسية. لكن المختلف هذه المرة في خطاب المدافعين عن الرئيس مرسي ونظام الاخوان المسلمين، أو النظام الإيراني في فترة الغليان الثوري ومحاكم آيات الله، أن الديني وليس السياسي هو محرك الخطاب العام وهو محرض المدافعين عنه من السقوط.
وبعد، فإن المختلف في انتفاضة 30 يونيو 2013م عن انتفاضة 25 يناير 2011م، بل عن جميع موجات الربيع العربي فيما عدا سوريا، أن الفرز والاستقطاب انتقل من الحقل السياسي إلى الديني وهنا الخطورة. إنه صراع بين الحق والباطل، والمؤمنون والكفرة، وأنصار الله وأنصار الشيطان. حتى أن جبريل ذاته جاء للصلاة في مسجد رابعة العدوية تضامناً مع الرئيس المعزول محمد مرسي، والنبي قدم مرسي للصلاة في منام أحد شيوخ القنوات. الأمر الذي يذكر، وإن بدرجة أقل، بوصف الخميني لشاه إيران لا بأنه عميل لأمريكا والغرب مثلاً وإنما وصفه بأنه "يزيد بن معاوية" مُحيلاً صراعاً سياسياً مشروعاً على الحاضر والمستقبل إلى صراع ماضوي وانتقام مذهبي ونزاع ديني ما يدفع الناس، الواقعين في دائرة الخطاب أو استقطاباته، إلى كسر القفل عن "حقيبة الذكريات السيئة" المقفلة أو الموضوعة جانباً منذ قرون. ثم ما يلبث أن يجد المرء نفسه يحمل فوق ظهره "حقيبة الذكريات السيئة" عن الناس والمذاهب والتاريخ طوال حياته!
المعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد أو فلنقل، تجنباً للتعميم، الجناح الجهادي والتكفيري داخلها، والأكثر قوة على الأرض، كجبهة النصرة، تنتمي إلى ذات العقلية وتتحدث اللغة الاعتقادية نفسها. بل تكاد تكون أشنع من جميع ما عداها وأخطر ولا مجال للمقارنة.
مشكلتي مع النظام السوري أو اليمني أو أي نظام غير تعددي، في الحاضر وفي كيفية إدارته للحكم واحترامه لكرامة الإنسان وحريته، لكن مشكلة حملة "حقيبة الذكريات السيئة" قديمة. إنهم آتون من أنتن ما في الماضي السحيق. عندما أمر السفاح، أول حاكم عباسي، بنبش قبر هشام بن عبدالملك بن مروان والتمثيل بجثته إنما فعل ذلك بدافع توجيه رسالة رعب لخصوم الدولة العباسية الجديدة، كما ولضغينة شخصية تجاه هشام الذي وجه له إهانةً شخصية قاسية أثناء لقائهما في مجلس الأخير قبل سنوات قليلة من سقوط الدولة الأموية.
هكذا يمكن قراءة، وتفهم، تلك الحادثة المؤسسة لنبش القبور في التاريخ الإسلامي. إنها نتاج ضغينة قديمة تجاه ملك أهانه. لكن أن يقوم ثوار سوريون أوعناصر من جبهة النصرة بنبش قبر رجل لم يعرفوه شخصياً -على نحو ما فعلت الوهابية في دولة آل سعود الأولى-  كحجر بن عدي الصحابي الزاهد الذي قتل غدراً بالمناسبة، ولا يعرفونه على ما يبدو عن طريق الكتب وإلا لقرؤوه كيف بكته زوجة النبي عائشة. فقط هكذا استنتجوا من اهتمام النظام السوري بصاحب المزار، أو قال لهم أحد متعهدي الضغائن التاريخية، العابرة للأزمان، إن صاحب هذا القبر كان أحد خُلص الإمام علي بن أبي طالب وشيعته، فنبشوا القبر وأزعجوا رقدة ساكنه بعد 1400 سنة من موته (ماذا إن لم يكن قبره أصلاً؟)
إن أخطر ما في الأنظمة القائمة على أساس ديني أو مذهبي أنها، باختصار، كمن يقود السيارة بالرجوع إلى الخلف "ريوس" طوال الطريق معتقداً إنها الطريقة المثلى للسير باتجاه المستقبل.

 محمد العبسي
مقال كتب قبل إسقاط إسقاط الرئيس المصري محمد مرسي بيوم واحد في 1 يوليو 2013م ولم ينشر


ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional