الجمعة، 7 مارس، 2014

سامي غالب يكتب عن حقبة أطول رئيس استخبارات في العالم: "يمن" بلا "قمش"

من الحرب على الشيوعية إلى الحرب على الإرهاب إلى الحرب على "الأمن السياسي"!
 اليوم السبت 8 مارس 2014 هو اليوم الأول بعد "غالب مطهر القمش". أطول رئيس استخبارات في العالم غادر قبل ساعات اقطاعيته الأمنية إلى الخارجية بناء على قرار للرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي.
يعيش اليمنيون يومهم الأول بدون "الأخ الأكبر" الذي ولد 70% منهم في ظل رئاسته لجهاز الأمن الوطني (المخابرات في اليمن الشمالي قبل الوحدة)، ورئاسته للجهاز المركزي للأمن السياسي (مخابرات دولة الجمهورية اليمنية التي قامت في مايو 1990). تاريخ اليمنيين في العقود الأربعة الأخيرة هو تقريبا تاريخ هذا الرجل

الذي بدأ في الصعود غداة استشهاد الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي في اكتوبر 1977، ثم لمع اسمه عقب محاولة انقلابية للناصريين في اكتوبر 1978، إذ كان يومها أركان حرب الشرطة العسكرية الذي لعب دورا حاسما حسب المروية الشفهية في إجهاض الانقلاب الذي كان أحد أبرز قادته الشهيد محسن فلاح قائد الشرطة العسكرية.
في 1980 تم تعيين القمش رئيسا للجهاز المركزي للأمن الوطني خلفا لمحمد خميس الذي كان بالنسبة للرئيس صالح "رجلا" من الماضي لا يدين له بالولاء. في ذلك العام ظهر الرئيس الجديد للاستخبارات علنا وهو يتلو قرار الاتهام الموجه إلى وزير الخارجية الأسبق عبدالله الأصنج الذي منح عفوا لاحقا بعد إدانته بالخيانة العظمى. ورص القمش من خميس دور المدعي العام أيضا.
يمكن اعتبار هذا الضابط الضلع الرابع لمربع السيطرة الحاشدية على دولة اليمن الشمالي. الثلاثة الآخرون هم الشيخ عبدالله بين حسين الأحمر وعلي عبدالله صالح وعلي محسن الأحمر. وعلى الأرجخ فإن القمش ارتبط في مرحلة ما بحزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان ابن قبيلته (خارف، حاشد) الشيخ مجاهد ابوشوارب من ابرز اعضائه أيضا.
***
أسهم بقوة في تأمين نظام صالج. وفي عهده اكتسب الجهاز الأمني طابعه المؤسسي بالاستفادة من خبرات عربية أرادت لهذا الجهاز ان يكون راس حربة في مواجهة القوى اليسارية في الشمال وسلاح اشارة في مقاومة الخطر الماركسي في اليمن الجنوبي.
سجل أداء الجهاز تقدما على أكثر من جبهة. تمكن رئيسه الجديد من تحقيق قدر من التمايز بينه وبين الأداة التي يديرها متفاديا أسلوب سلفه. وتمكن من انهاء آخر جيوب اليساريين والقوميين في الجهاز والمرافق السيادية للدولة. وفي السنوات ال3 الأولى من رئاسته شهد اليمن الشمالي عمليات اغتيال عديدة استهدفت كوادر يسارية في الدولة وفي الجيش والأمن. كما أن أكبر عدد ضحايا اختفاء قسري في اليمن الشمالي يعود إلى تلك الفترة التي كان نظام صالح يواجه فيها الكثير من التهديدات.
***
بعد القضاء على خصوم النظام المباشرين لنظام صالح، استطاع القمش أن يحقق اختراقات للعديد من التنظيمات السرية. في 1983 كان قد تمكن من استقطاب العديد من الناصريين الذين كشفوا البقية الباقية من التنظيم السري. كذلك الحال مع الفضائل اليسارية التي كانت قد اندمجت في نهاية السبعينات في حزب الوحدة الشعبية، وقد كلفها الأمر غاليا إذ أن بعض هذه الفصائل كان سهل الاختراق او مخترقا سلفا. وقد دفع الحزب الديمقراطي الثوري (وريث حركة القوميين العرب في الشمال) ضريبة باهظة من دماء قادته وكوادره، وزج بالمئات من اعضائه في المعتقلات، وبين هؤلاء العشرات من المختفين قسريا منذ نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات.
***
بدأت في العهد "القمشي" سياسة "بولسة" مؤسسات الدولة الادراية والتعليمية والقضائية. وبانصرام السنوات صارت كلمة "الأمن الوطني" هي العليا في تقرير مصائر اليمنيين في الشمال، بدءا من التعليم وانتهاء بأعلى هرم الإدارة العامة. وفي عشرية التسعينات (خصوصا ما بعد حرب 94)، تدخل جهاز "القمش" في المجتمع المدني والاعلام والنشاط النقابي بشكل رسمي. صار للجهاز مندوبيه الرسميين في أنشطه تقع في صميم المجتمع المدني.
***
كانت عقيدة جهاز الأمن الوطني منذ السبعينات هي "مكافحة الشيوعية". كانت المهمة هي ملاحقة اليساريين واعتقالهم، ولا مانع من قتلهم. إلى هذا يعزى صعود الكثير من الضباط المتدينين أو المحافظين اجتماعيا في الهرم الأمني. وفي نهاية السبعينات تعمق التحالف بين صالح وجماعة الاخوان المسلمين في مواجهة الجبهة الوطنية الديمقراطية في المناطق الوسطى، وانعكس ذلك على توجهات وانتماءات عديدين من المسؤولين الأمنيين أبرزهم محمد اليدومي الذي تولى وحدة مكافحة اليسار في الجهاز كما يروي مجايلوه من الضباط ومن الضحايا معا، ووزير الكهربا الحالي صالح سميع ووكيل أمانة العاصمة محمد رزق الصرمي.
كانت الثمانينات حقبة الجهاد في افغانستان. وقد اتصل القمش ومساعدوه بعمليات التأهيل والتدريب والنقل للمجندين للجهاد. ثم في نهاية الثمانينات تولى هؤلاء عملية تاهيل جديدة لمهمة داخلية. كان الهدف هو الحزب الاشتراكي وحلفاءه بعد قيام الوحدة اليمنية في 1990.
***
توثقت العرى بين الأداة الأمنية لصالح وبين الجهاديين خلال رحلة الثمانينات. واكتسبت طابعا عضويا في النصف الأول من النسعينات عندما واجه صالح ما يمكن اعتباره خطرا وجوديا على دولة "العصبة" وحكم "العصابة" الني بناها على صورته وصورة حلفائه الأقربين وبخاصة مساعده الاول علي محسن الأحمر.
يمكن وصف العلاقة بين ضباط استخبارات صالح وقادة الجماعات الجهادية بأنها علاقة "رفاقية". كانت الخلفيات متماثلة تقريبا، والعقيدة واحدة، والعدو واحد، سواء في افغانستان أو في الجنوب او في عاصمة الدولة الواحدة ذاتها. كان اسامو بن لادن يتاهب نهاية الثمانينات لفتح جبهة جهاد جديدة ضد النظام الماركسي في الجنوب. وكان الشيح عبدالمجيد الزنداني يلهب حماس الشباب لمواجهة "مشروع دستور" الوحدة بين اليمنين، الشمالي والجنوبي. وكان علي محسن الأحمر يدير أكبر عملية استيعاب للعائدين من افغانستان.
استطاع صالح وعلي محسن والقمش استثمار "الجهاديين" في حربهم السرية ضد الاشتراكي. وقد اندفع هؤلاء العقائديون بكل حماس للوفاء بمسؤولياتهم في حرب 94. كانوا يقاتلون بروحية فاتحين في معركة انتظروها طويلا، لسحق أعداء الدين في بلد "الإيمان والحكمة"، وملاذ المسلمين المضطهدين. هكذا كانت الحرب إيذانا بتأسيس "جيش عدن _ أبين " الإسلامي الذي سيكون بشارة على انتصار الاسلام ثانية بعد 1400 سنة من فتح مكة.
***
بعد عقد ونصف من التناغم وصل الحلفاء إلى مفترق الطرق. كان نظام صالح المعزول اقليميا يسترضي واشنطن بأي ثمن، وقد تكفل مستشاره السياسي عبدالكريم الإرياني بالمهمة. وبالموازاة تولى القمش وعلي محسن الأحمر استيعاب الجهاديين الذين يقدرون بالآلاف، في الجيش والأمن. بات في اليمن المئات من رجال الامن والآلاف من افراد وضباط الجيش من المتمتعين بخبرات جهادية. وفي 1998 استمع اليمنيون لقائد جيش عدن_ ابين، ابوة الحسن المحضار خلال محاكمة علنية، وهو يثني على الرجل الصدوق والموثوق به علي محسن الأحمر. أراد المحضار توجيه رسالة ما إلى من يهمه الأمر. لكن احدا، في اليمن وفي الخارج، لم يأبه لما قاله. اتضح أن المحضار منتسب أيضا إلى جهاز الامن السياسي ويحمل رتبة نقيب. بعبارة أخرى كان أحد مرؤوسي القمش.
***
في العشرية التالية (2001 _2010) بلغ التحالف مفترق طرق جديد. لاح علي عبدالله صالح كمن يؤسس أسرة حاكمة جديدة على حساب حلفائه المخلصين. لم يكن ذلك مقبولا من الاسر المشيخية ولا من الأذرع العسكرية والأمنية لنظامه. اضطر صالح إلى المناورة مستفيدا من "الحرب على الإرهاب" وبزوغ حركة اسلامية زيدية في الشمال تتغذى من التاريخ وتستلهم المثال المقاوم في جنوب لبنان ومن ورائه دولة "ولاية الفقية" في إيران.
***
بدأت الشروخ تظهر في وجه النظام "الرباعي". خرج الشيخ عبدالله بين حسين الأحمر مغاضبا غير مرة. كان نفوذ أبناء الرئيس وأبناء اخونه يتزايد بالتوازي مع انحسار حضور الحلفاء.
وفي 2004 أسس الرئيس صالح جهاز الأمن القومي بتشجيع اميركي. كان "الامن السياسي" يشيخ كصاحبه. ليت هذا فحسب، بل إن الإرياني المستشار السياسي للرئيس، الذي كان يهندس العلاقات اليمنية الاميركية، لم يتورع عن إدانة المسؤولين في الجهاز العتيق، وهو أبلغ صحيفة أميركية في 2007 ما مفاده ان وكيل الجهاز محمد رزق الصرمي كان يتلقى مبالغ من "تنظيم القاعدة".
***
صار الجهازان الأمنيان تكثيفا لانقسام النخبة العسكرية والأمنية في البلد. تحالف محاربة الشيوعية في مطلع الثمانينات وراء "القمش"، وتحالف "الحرب على الإرهاب" في العشرية السابقة وراء جهاز الامن القومي.
وفي الأسابيع الاولى من الثورة الشعبية السلمية في 2011، كان المنضمون إلى الساحات من الأحزاب والنظام في صف "الامن السياسي" وضد "الأمن القومي"، في واحدة من المفارقات التي تستعصي على فهم أولئك الذي يقرؤون اليمن قشريا، مكتفين بصور ومقولات نمطية يتلقفونها من منشورات الأحزاب ووسائل دعايتها.
***
في العامين الماضيين شهدت اليمن ما يمكن وصفه ب"استباحة جهاز ترويع اليمنيين". باتت علميات اغتيال ضباط "القمش" خبرا اعتياديا في الصحافة المحلية والعربية والاجنبية. تحول الرجال المهابون الذين ارهبوا اليمنيين على مدى 3 عقود إلى طرائد في كل مكان داخل اليمن.
بينما كان "القمش" يشكل "جسر الصداقة" بين الأخوة المحتربين في قمة هرم السلطة، كانت آلة قتل شرهة تحصد رؤوس مرؤوسيه في العاصمة وذمار وعدن ولحج وحضرموت. لم يحرك "رجل الأسرار" ساكنا. التزم الصمت فثارت حوله الشبهات!
***
قبل نحو عام التقى "القمش" عددا من اعضاء فريق العدالة الانتقالية في مؤتمر الحوار. كان لافتا ما قاله "خازن الأسرار والفضائح الدموي". أبلغ ضيوفه بأنه يحتفظ بكل تفاصيل الملفات السرية في الجنوب والشمال، قبل الوحدة وبعدها. أوضح بأنه رجل في خدمة رؤسائه، وليس لديه ما يمنع من تقديم كل المعلومات بشأن مصائر ضحاياه. قال ذلك وأكثر، لكن المتحاورين في موفنبيك لم يكونوا في وارد الاهتمام بضحايا القمش، الأحياء منهم والاموات.
***
ترك رجل السبعينات والثمانينات موقعه لرجل من عصر مختلف. غادر رجل الأمن الوطني (والسياسي) وجاء رجل "الأمن القومي" في ما يمكن اعتباره "قرارا قويا" لرئيس "جنوبي" كان دائما اقرب إلى تحالف "الحرب على الشيوعية" وتراهن عليه واشنطن في حربها على الإرهاب.
***
غادر القمش إلى "الخارجية" حاملا معه ملفات "داخلية" سرية وشديدة الحساسية، بعضها متصل بمصائر الاف الأسر اليمنية التي لا يأبه أبطال التحالفات القديمة والجديدة، امنيين ومدنيين وحزبيين وحقوقيين(!)، الانشغال بالترهات التي يتحدثون عنها.
***
في اليوم العالمي للمراة اتقدم بأحر التهاني إلى أمهات وبنات وشقيقات وحفيدات ضحايا تحالف "الحرب على الشيوعية" وضحايا تحالف "الحرب على الإرهاب"،داعيا لهن بالصبر الجميل.
***

لينعم الله على اللواء غالب مطهر القمش بالصحة وطول العمر، فهناك الكثير مما يحب اليمنيون سماعه منه. 

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional