الخميس، 10 يوليو، 2014

ميساء شجاع الدين تكتب تحليلاً معمقاً عن حرب عمران: الحرب لأجل الحرب


مجدداً لم ينجح الحوثيون إلا بفضل أخطاء خصومهم ويتوسعون في هذا الفراغ السياسي الذي خلفته دولة المحاصصة المتهاوية وأداء سياسي انتهازي لأحزاب مفلسة، الحوثيون جماعة صغيرة شابة لا تمتلك شيء تخسره ومجرد بقائها بحد ذاته يعد مكسب وانتصار، لذا كانت الحرب الدائرة بعمران نصرا لهم في كل يوم جديد يضاف لهم نصراً جديدً فيما يخسر خصومهم الكبار المثقلين بحاسباتهم السياسية وخصوماتهم.

إستمرار الحرب بالنسبة لجيش الدولة يعني سقوط لهيبتها وبالتالي هزيمتها، وبالنسبة لجماعات دينية انخرط ضمنها الإصلاح، فإستمرارية الحرب بمفهومها الديني- الطائفي يعني جرها لخارج اليمن في إطار إقليمي يستفيد منه الحوثيون أكثر من خصومهم، ويبتعد بالحرب مسافات طويلة عن أي محتوى وطني بشكل ملحوظ من لا مبالاة الناس بمجريات الحرب في عمران، أما القبائل فالحرب بالنسبة لها دائرة ثأرات لا تنتهي.
منطق الحرب لأجل حرب، منطق بدائي يناسب القبائل التي انقسمت في تحالفاتها بين الحوثيين والإصلاحيين، هي الحاضنة الأفضل لهكذا صراعات. يخطئ من يظن إن الحرب لأجل الجمهورية سوف يمر من خلال القبائل دون مشروع وطني وغطاء سياسي وشعبي كما حدث في ثورة سبتمبر 1962م. فيما عدا ذلك، فالقبائل لا تحركها سوى دوافعها الذاتية من عصبية وثأر وغنيمة في حروب طويلة الأمد، ككل الحروب القبلية حتى ينسى مقاتليها لماذا بدأت وكما قال الجاهلي قيس بن شبامه إثناء عودته من حرب بين بكر وتغلب:" ورب الكعبة لقد قتلنا وقُتلنا لا أدري على ماذا؟" ملخصاً حال الحروب القبلية دوماً وابداً. فمن أين له أن يدري وهو خرج عصبية لقبيلة لا تبحث عن دولة ومفهوم جامع بينها وبين الآخرين بل تبحث عن ثأر وغنيمة وزمن لا يحمل معه مستقبل مختلف.
ما حدث بعمران ومحاولة توسع جماعة مسلحة فيه أمر يخص دولة، كانت هي أبرز الغائبين. رئيس الدولة لم يقل كلمة واحدة عن هذه الحرب لشعب ظل متخبطاً في معرفة هل يوجد الجيش في تلك المعركة؟ وبأي حجم والأهم هل يحارب لصالح الدولة أم لصالح انقسام ولاءات الجيش؟ حرب ملتبسة وغامضة تغيب عنها أبسط المعلومات مثل تحديد ماهية أطراف الصراع وهذا كله على بعد كيلومترات فقط من عاصمة الدولة صنعاء، مما يكشف عجز للدولة يصل لحد الخيانة وينسف أسباب وجودها. الأدهى والأمر إن رئيس الدولة الذي يتخلى عن القيام بأبسط مسؤوليات الدولة وهو الحفاظ على كيانها وحماية مواطنيها، يبدو أنه ورث من سلفه ليس فقط دولة مهترئة وجيش مفكك بل كذلك استخفاف بحياة المواطنين ومصالحهم، فيما يبدو إما تخاذل أو تحايل لإنهاك خصم الحوثيين الإصلاح والتخلص من شراكته الثقيلة وطبعه المهيمن.
إذن غابت الدولة وحضرت القبيلة وتشكلت البيئة الأكثر مثالية لنمو الجماعات الدينية المسلحة، تلك الميلشيات التي ترفع شعارات معادية لأمريكا وإسرائيل وتنهمك في قتال إيران المجوسية الرافضة والسعودية الوهابية التكفيرية حسب أوهامهم. مع كل عدوان إسرائيلي ينكشف تهافتهم وضلالهم في تفسيرهم للدين وتعاطيهم مع السياسة وتغيب معهم كل المعايير الإخلاقية والإنسانية البسيطة والبديهية. هذه الجماعات التي تدخلنا مرحلة تيه طويلة لايمكن تفسير تكاثرها الهستيري سوى إن الظلم الذي رزحت تحته شعوب المنطقة طويلاً وغياب أي مشروع سياسي مستقبلي سبباً في حضورها جماعات متعطشة للدماء، وإلا كيف نفسر كل هؤلاء المجندين من أطفال وشباب صغير السن في محرقة لا يحضرها كبرائهم ولا ابنائهم. هؤلاء شباب يغرر بهم في كلفة مالية رخيصة لا تزيد عن تجنيدهم فكرياً في جامع أو مسجد ثم عسكرياً، مجرد يتعلموا حمل السلاح، كل هذا في فترة زمنية قصيرة لا يتجاوز الشهر الواحد في بيئة مشبعة بالإحباط والمهانة وتبتلع طاقات شبابنا في هذه المحارق الخاصة بهم وليس بعلية القوم من شيوخ.
العامل الديني هنا رخيص الكلفة، وعود بالجنة، دون أي إلتزام إخلاقي أومادي لتحمل مسؤولية المقاتل حياً أم أسيراً أم ميتاً. هذا يخالف الحروب القبلية التي يتحمل فيها الشيخ مسؤولية مقاتليه وتكون الكلفة باهضة جداً لوقتل وتحمل مسؤولية أسرته من بعده، لذا يفكر طويلاً قبل شن حرب فيها مسؤولية تشاركية وتحكمها أعراف قبلية موروثة منذ مئات السنوات بينما الحروب الدينية ينفصل القادة فيها عن الجنود، القادة يعيشون برخاء دون تحمل مسؤولية المجندين الفقراء والصغار. هكذا يتحول الدين لستارة تغطي هذا التجرد المفزع من كل القيم الإنسانية والإخلاقية التي تحكم الحروب أيضاً في كل مكان وكل وقت.
أما الأحزاب اليمنية فصار الحديث عنها حديث ذو شجون من شدة الخذلان والخيبة. فهاهي الإحزاب اليسارية والقومية تقف صامتة بتخاذل بل ومن عجائب الزمان أن ينتمي لها كوادر متعاطفين مع الحوثي نكاية في الإصلاح فيما يمكن القول إنه ليس فقط سقوط أخلاقي وتناقض سياسي بل تيه وضياع لم يسبق له مثيلاً. بينما ينتظر حزب المؤتمر شامتاً حيناً وكأنه لاينتمي لهذا الوطن أو مترقباً انتصار طرف ليضع يده بيد المنتصر ولا يدري إنه لن يتبق شئ يستحق التحالف عليه بعد هذه الحرب بما فيها مقدرات الدولة وإمكانياتها الإقتصادية التي ستكون سقطت. أما الإصلاح الذي تصرف كجماعة دينية جهادية وليس كتكوين سياسي وطني كما ينبغي أن تكون الإحزاب، فهو أكبر الإحزاب اليمنية وأكثرها تنظيماً وكلف نفسه بمواجهة الحوثيين دون غطاء سياسي وشعبي بسبب خطابه الديني المنفر وإنحيازه لتحالفاته القبلية المغذية للحرب دون مضمون وطني والاسوء زجه بالشباب دون تدريب عسكري كافي أو حتى معرفة عسكرية ضرورية. ما الذي يريده الإصلاح من هذه الحرب؟ لا أحد يدري بما فيها الإصلاح نفسه، فهو حيناً يقاتل لأجل الجمهورية وهذا شعار للإستهلاك الإعلامي لا ينعكس على إداء الحزب السياسي في العاصمة صنعاء، بينما لمجاهديه وسلفييه هو يقاتل إيران المجوسية، وللقبائل هو يقاتل لإجل تحالفاتها وآل الأحمر ونفوذهم. لو كان للإصلاح اهداف وطنية لإنعكس على ادائه السياسي في صنعاء ولصدقه الناس، لكنه يتخبط بين مصالحه الضيقه وفكره الديني المنغلق.

الحرب لأجل الحرب هي الحقيقة الوحيدة التي تعبر عنها حرب عمران، فالحوثيون يحاربون لأنهم لا يجيدون سوى الحرب وخلقوا من ضلع حرب ولا يمتلكون شئ يخسروه من الحرب، فالحرب ان لم تضف لمكاسبهم التوسعية فهي على الإقل سوف تمنحهم مساحة للبقاء. هذا المنطق سوف يتماشى مع خصوم الحوثيين من قبائل وجماعات دينية بإعتبارها جماعات تتشابه مع الحوثيين في آلية تشكل الحرب وسطهم ومن خلالهم حتى تغذي نفسها بنفسها من بشر وأموال تأتي من الداخل والخارج، لذا هؤلاء خصوم الحوثيين الإبرز والذين يسعي الحوثي لجرهم وحقق نجاحاً حقيقياً في هذا المجال انعكس بوضوح على لا مبالاة الناس بما يدور في عمران ومعرفة من المنتصر أو الخاسر. ضمن منطق الحرب لأجل الحرب تخسر المكونات الوطنية لأنها تخاذلت عن إداء دورها السياسي المطلوب في بناء الدولة بصنعاء أو تقديم رؤى سياسية واضحة لمعالجة الوضع بعمران. ويظل أكبر الخاسرين من هذا المنطق هي دولة تفقد هيبتها ويتلاشى حضورها وينهار كيانها، دولة بدونها يتحول اليمنييون لمجموعة من القبائل والطوائف تقاتل بعضها البعض بمنطق البداوة الذي لا يرى في القريب سوى عدو قائم أو محتمل بينما يثق بغريب لوهم مساندته ضد أخيه في زمن قادم يحمل الكثير والكثير من الحروب لأجل الحروب.

عن صفحتها على فيسبوك

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional