الجمعة، 22 أغسطس، 2014

للخروج من الأزمة بمكاسب أكثر وخسائر واضرار أقل: مبادرة اقتصادية

مرة أخرى الحل الوحيد للأزمة حل اقتصادي أكثر منه سياسي، محلي أكثر منه خارجي، وبقرار إداري وليس بعمل مسلح أو تهديد إرهابي، ولا بمسيرات اصطفاف أو عقوبات لم تخف حتى كلفوت.
إن الحل الوحيد الأقل ضرراً والأكثر جدوى هو: ارفعوا الدعم عن ديزل قطاع الكهرباء (40 ريال حالياً للمؤسسة ومجاناً لشركات تأجير الطاقة) مقابل تخيفضه عن المواطن (200 ريال حالياً) والاكتفاء بـ500ريال

 زيادة على سعر دبة البنزين (3000 ريال مثلا). هذا هو الحل الذي يضمن خفض الجرعة دون إفلاس الدولة أو نشوب حرب لا تبقي ولا تذر. سبق أن حذرت، وعديدون، من أزمة اقتصادية وجرعة سعرية قبل ثمانية أشهر دون أن تصغي الحكومة او الرئاسة لكلام العقل والمنطق مطمئنين إلى المجتمع الدولي الذي "لن يسمح ابدا بانهيار اليمن" والآن النتائج أمامكم. 

الأزمة بالأساس مالية اقتصادية، ولم تتحول أزمةً سياسية إلا بعد دخول الحوثي على الخط وتبنيه مطلب إسقاط الجرعة السعرية الذي يحظى بتأييد شعبي واسع وحصاره لصنعاء وتلويحه بخيارات مسلحة مرفوضة جملة وتفصيلاً.


بالمقابل على الرئيس والحكومة والنخبة السياسية إن كانت حريصة على البلد وتتحلى بالحد الأدنى من المسئولية، أن تبادر لعلاج الأزمة بحلول اقتصادية متاحة، دون مكابرة، بدلاً من خوض مباريات الصفرية واستدعاء عناوين الصراع الجمهوري الملكي.

(لنكون عمليّين سيركز طرحي على مطلب إلغاء الجرعة لكونه اكثر مساساً وتأثيراً على المواطن وعامة الشعب، وهو ما يهمني. فيما مطلب تطبيق مخرجات الحوار فضفاض ولا نهاية له وربما يحتاج تدخلاً إلهياً لتنفيذها كاملة! أما مطلب تغيير الحكومة فهو سياسي توافقي صرف والبت فيه والاتفاق عليه يعود لشركاء العملية السياسية وصفقاتهم) وإذن فمقترحي هذا يقتصر على موضوع الجرعة وحسب.

 ما هي هذه الحلول الأقل كلفة والأكثر نجاعة؟
قبل الإجابة دعونا نسأل أولا: ما هي المعطيات لدينا؟

هناك طرفان متمسكان بموقفهما بشدة:
الرئيس والحكومة وتحالفهما المتمسك بقرار الجرعة السعرية
والحوثيون وفئات واسعة من الشعب متمسكون بمطلب إسقاط الجرعة


هل من الممكن أن تتراجع الحكومة عن قرار الجرعة السعرية؟
نظرياً مستحيل.

لماذا؟
لأن هذا يعني عجزها عن دفع المرتبات، وعن توفير المشتقات النفطية والوقود في محطات البنزين أو لمحطات الكهرباء مع احتمال انهيار العملة وتفاقم الأزمات. (يمكن العودة لدراستي حول الموازنة حتى لا أعيد شرح أسباب كل ذلك هنا)

بالمقابل، هل من الممكن أن يتراجع الحوثيون والمناهضون لقرار الجرعة؟
أيضاً مستحيل لأسباب كثيرة يضيق المقام عنا لسردها. بالمجمل من الواضح أن جماعة الحوثي وصلت إلى منطقة لا رجعة عنها في موضوع الجرعة، وفي حال تراجعت ستفقد الكثير من مصداقيتها وشعبيتها التي اكتسبتها مؤخراً.

إذن لدينا معطيان متعارضان:
الأول أن الحكومة والرئيس، مؤيدان بالمجتمع الدولي، لن يتراجعوا أبداً عن قرار الجرعة لأسباب اقتصادية بالمقام الأول.

المعطى الثاني أن المناهضون لقرار الجرعة وفي طليعتهم جماعة الحوثي لن يتراجعوا عن مطلب إسقاط الجرعة خاصة وأن معظم أتباع ومؤيدي جماعة الحوثي يشكلون نواة المجتمع الزراعي في محافظات الشمال خاصة.

والآن ما هو الحل العادل والمرضي للجميع؟
ما الحل الذي يضمن خفض الجرعة دون إفلاس الدولة؟
ما الحل الذي لا يشعر طرف انه تراجع او تخلى عن مطالبه وخانها؟

الحل بسيط وعملي ومثالي: ارفعوا الدعم عن ديزل قطاع الكهرباء.
هذا هو الحل الأنسب الذي يوفر للحكومة السيولة المالية ولا يتضرر منه المواطن العادي الا بشكل طفيف جداً بحيث لا يعادل 10% من آثار وأضرار الجرعة في صيغتها الحالية.

الخيارات متعددة، منها:
رفع الدعم عن الكهرباء إلى 100 ريال
وخفض الديزل المباع للمواطن الى 100 ريال
مع تخفيض سعر دبة البنزين إلى 3000 ريال مثلا.

وأياً كان السعر الذي سيباع للكهرباء يجب مراعاة أمر واحد:
يجب ان يتساوى السعران لان هذه افضل طريقة لمحاربة التهريب.
سعر البيع للمواطن وسعر البيع لمؤسسة الكهرباء. وإلا فنحن نؤسس لمشكلة وأزمة اقتصادية ستظهر في السنتين القادمتين.

عندما يكون سعر لتر الديزل في السوق المحلي بـ200 ريال، بينما يحسب ويباع للكهرباء بـ40 ريال ويقدم لشركات تأجير الطاقة مجاناً، فأن الحكومة تسهّل عمليات التهريب وتوفر له البيئة الملائمة له. في حين أنها تضيق وتصعب عمليات التهريب الداخلي وتحد منها عندما يتساوى السعران سواء عند 100 ريال، او حتى 200 ريال بالسعر العالمي: المهم أن يتساوى السعران.

وفق ذلك، وفي ضوئه، لنقم بإجراء حسبة رياضيات سريعة استناداً إلى احصائيات العام 2013.

تقول البيانات الرسمية لاستهلاك المشتقات النفطية التالي:
648 مليون لتر ديزل تم تقديمها مجاناً لشركات بيع الطاقة في 2013 واشترتها الحكومة بالسعر العالمي، بينما 203 مليون لتر ديزل -اشترتها الحكومة أيضاً بالسعر العالمي وتم بيعها لوزارة الكهرباء بـ40 ريال لكل لتر.

إذن لدينا نحو 850 مليون لتر. (مؤكد أن الاستهلاك زاد في 2014م)
تصل تكلفتها المالية إلى مليار دولار من دون الكلف الإضافية (النقل والتكرير إلخ). ولكون المتبقي من السنة المالية أربعة اشهر فإن الكمية التقديرية التي سوف يتم رفع الدعم عنها هي: 212 مليون لتر ديزل (دون المازوت طبعاً)

والآن يمكن احتساب الارقام التقديرية:
لو رفع سعر اللتر المباع لمؤسسة الكهرباء الى 100 ريال من 40 ريال، فإن ناتج ضرب 60 ريال في 212 مليون عبارة عن وفر. فضلاً عن المازوت.

فضلاً عن 500 ريال جرعة في سعر دبة البنزين (في حال خفضت لـ3000). بالإضافة إلى 150 مليون دولار ستقدم للحكومة من صندوق النقد الدولي، و50 مليون قد قدمت فعليا للحكومة من البنك الدولي.

هذه المبالغ إذن ستحول دون إفلاس الحكومة وتمكنها من تجاوز أزمتها المالية. بالمقابل سيكون الضرر على المواطن أقل بنسبة 90%، بل أكثر، مما هو عليه الآن.
كيف؟

أولا: في حال ارتفعت فواتير الكهرباء على المواطن بنسبة 50% مثلا أو 100% في أسوأ الأحوال فإن ذلك لن يشكل عبئاً إضافياً على المواطن لكون العبأ أصلا قائم. إن أقل مواطن يمني يستهلك على الأقل بمعدل دبة بنزين شهرياً لتشغيل الماطور عند إطفاء الكهرباء وتضاعف استهلاكه مع الأزمة الاقتصادية بسبب زيادة ساعات الإطفاء وبالتالي هي كلفة فائمة وليست إضافية. وبالإمكان أن تتخذ الحكومة قراراً برفع التعرفة التصاعدية، كما في دول عديدة من العالم: كلما ازداد الاستهلاك زادت التعرفة (أي على كبار المستهلكين)

ثانياً: عندما يقول خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي إن الدعم يستفيد منه الكبار والميسورين في المجتمع وليس الفقراء هم محقّون لا بالعموم وإنما فيما يتعلق الدعم الذي يذهب لقطاع الكهرباء على وجه الخصوص.
كيف؟

مثلاً أنا محمد العبسي فاتورة استهلاكي من الكهرباء تتراوح بين 4000 ريال إلى 6000 ريال شهريا كمتوسط بينما فاتورة استهلاك شاهر عبدالحق وجميع شركاته ومؤسساته قد تصل إلى 20 مليون ريال شهرياً فرضاً. في هذه الحالة فان نسبة استفادي من الدعم بقدر استهلاكي المحدود، والحال يسري على معظم فئات الشعب من أصحاب البقالات والمحلات والطبقة الوسطى والفقيرة

بالمقابل فان نسبة استفادة طبقة رجال الأعمال والنافذين واصحاب الثروات تعادل مئات أضعاف نسبة استفادتي من الدعم بحكم استهلاكهم المرتفع.

فإذا كنت استفيد من كل 4000 ريال 1000 ريال كدعم غير محسوس في فاتورة الكهرباء الخاصة بي فإن من يستهلك كهرباء بـ20 مليون ريال يستفيد 5 مليون ريال كدعم.
هل وضحت الفكرة؟

لهذا السبب كتب أحد أهم استشاري صندوق النقد الدولي محاضر في جامعة بريطانية دراسة قيمة بعنوان ادعموا المواطن وارفعوا الدعن عن قطاع الكهرباء قبل شهور نشرها في بلوجر الصندوق ونشرتها أيضاً في مدونتي يمكنكم العودة إليها للفائدة.

ثالثا: ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية وكل شيء يحدث عادة عند ارتفاع أسعار واجور النقل والمواصلات وهذا ما لن يحدث عند رفع الدعم عن الديزل المباع للمواطن واقتصاره على الكهرباء (ارتفاع المواد الغذائية او الفنادق سبكون ضئيل بل ومعدوم لكونها لم ترتفع طوال السنتين الماضيتين رغم اضطرار اصحاب الفنادق والبقالات والثلاجات شراء الديزل والوقود المشغل للمواطير)

رابعاً: ستحد الحكومة في حال وحدت أسعار الديزل المباع لقطاع الكهرباء مع سعر الديزل المباع للمواطن والمزارع من عمليات التهريب.

خامساً: سوف ينعكس ذلك بالإيجاب على القطاع الزراعي وهو الأهم لكون 30% من الناتج المحلي في اليمن يأتي من قطاع الزراعة وليس النفط الذي انخفضت مساهمته لـ9% فقط مع انخفاض الإنتاج وضرب انبوب صافر.

سادساً: نشرت في وسائل الإعلام في الفترة الماضية قائمة بالديون المعدومة للكهرباء لدى كبار المستهلكين من مشائخ واقطاعيين ورجال أعمال وقادة عسكرين وبلغت نحو 19 مليار ريال: تخيلوا أن النافذين في البلد الذين يرفضون أصلا تسديد فواتير استهلاكهم يحصلون على كهرباء مدعومة وبسعر التراب واستفادتهم من دعمها تعادل مئات أضعاف استفادة المواطن العادي كما سلف شرحه في النقطة الثانية.

هذا هو الحل الوحيد والمثالي.
أي حل آخر هو كذبة وبيع أوهام للناس.
كاعادة النظر في قوائم المجندين وغيرها من العناوين التي يتم تسويقها حاليا وتحتاج إلى سنوات لتنفيذها وتحتاج ارادة سياسية ليست متوفرة في القيادة الحالية.

هذا هو الحل الوحيد والمثالي.
وإذا لم يعمل به سيرتفع استهلاك قطاع الكهرباء للديزل تدريجيا، وقد نفاجئ نهاية العام أن استهلاك قطاع الكهرباء ارتفع من 38% من استهلاك الديزل في اليمن الى 50 او 60 بالمئة العام المقبل.. وهكذا سيتحول قطاع الكهرباء الى المنفذ الوحيد الرسمي لتهريب الديزل ومن خلاله وعبر عقود شراء الطاقة سترتفع تدريجيا فاتورة دعم المشتقات مثلما حصل بعد حرعة 2012م.

كان الدعم يعادل 9مليون دولار في اليوم في منتصف 2012 وانخفض إثر رفع الدعم (أو ما قيل أنه خفض للسعر بعد ازمة 2011) الى 6 مليون دولار يوميا. لكن وبسبب عقود شراء الطاقة وزيادة استهلاك واستيراد الديزل جاء العام 2013م وقد ارتفع الدعم مجدداً، ووصل الى 10مليون دولار يوميا أي اكثر مما كان عليه قبل الجرعة الأولى وهذا ما سوف يحصل مجدداً خلال السنتين القادمتين في حال لم يرفع الدعم عن قطاع الكهرباء وتتوقف عقود شراء الطاقة ورفضت الحكومة التراجع عن الجرعة أو على الاقل تعديل صيغتها على هذا النحو المفصل هنا في هذا المقترح.

هذه هي الفرصة الاخيرة
وسواء تبنت احزاب المشترك او غيره هذا المقترح
آمل من الاخوة في قيادة جماعة الحوثي (انصار الله) أن يطرحوه بقوة ويتمسكوه به لأنه حل مثالي وفي مصلحة البلد وضد مهربي الديزل على المدى القريب والبعيد.

والله من وراء القصد،،

محمد العبسي

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional