الأربعاء، 10 سبتمبر، 2014

ما ليس مرئياً ولا ممكناً بين عبدالملك الحوثي وحسن نصر الله

يسعى عبدالملك الحوثي جاهداً لتقليد حسن نصر الله. لا مشكلة لدي. فليكن مثله أو أحسن منه إن استطاع.
أصلاً لستُ في معرض المقارنة التسطيحية بين لبنان واليمن، وبين حركة قاتلت إسرائيل ميدانياً على الأرض وأخرى قاتلتها شعاراتياً عن بُعد (واير لاس)، ولا أنوي المقارنة بين نصر والله عبدالملك وطريقتهما في الخطابة والخلفية الزرقاء (الكروما) خلفهما، ودلالة تلويحهما بإصبع السبابة. تلك ليست اهتماماتي، ولست على أي حال الآمدي لأقوم بدراسة الفروق بينهما لكون ذلك يُصيبني بالدوار.
1258935574كما إن استدعائي لنموذج حزب الله هنا ليس تعبيراً عن إعجاب وتأييد لفكرة وجود حركة مسلحة كدولة داخل الدولة - لا في اليمن ولا لبنان رغم استثنائية الأخير- بقدر ما هو ضرورة موضوعية يقتضيها الحرص على البلد والخشية من تفجر الوضع السياسي في أي لحظة من جهة، ولكون جماعة أنصار الله تتمثل بنموذج حزب الله في كل صغيرة وكبيرة من جهة أخرى. وإذا كان الرسل خاطبوا مجتمعاتهم كلٌّ بلسان قومه، فمن الإيجابي، لا المثالي ولا ما ينبغي، محاججة جماعة الحوثيين بحسن نصر ونموذج حزب الله، لسبب بسيط وهو أن الأصابع على الزناد وشوارع صنعاء تخلو من ساكنيها يوماً
بعد آخر.
إن كان لي أن أضيف سبباً ثالثاً فهو كثرة الطروحات السياسية والمقاربات الإعلامية التي تربط وتقارن، بشكل تبسيطي، بين احتجاجات الحوثيين وبين اعتصام حزب الله في وسط بيروت ولعل أبرزها تقرير لقناة العربية.

يريد أنصار الله احتذاء نموذج حزب الله. لا مشكلة. على الأقل حاولوا إتقان الدور وإدراك نقاط التشابه والاختلاف بين وضعنا ووضعهم، وبينكم وبينهم.

اعتصام حزب الله لزم موقعه 17 شهر دون مسيرات جوالة

لنبدأ من بيروت: استمر اعتصام حزب الله اللبناني بوسط بيروت في 2007م لمدة عام ونصف دون أن يثير هذا المقدار من الهلع المحلي والقلق الدولي الذي أثارته، خلال شهر فقط، "اعتصامات" جماعة الحوثي (أنصار الله) بنسختيها: المسلحة (على مداخل صنعاء) والسلمية (في مخيمات شارع المطار بالضاحية الشمالية من العاصمة).

17 شهراً وعناصر حزب الله وحركة أمل، وتحالف ميشيل عون، يعتصمون في وسط بيروت. لم تتمدد خيام الاعتصام وتقطع شارع السولدير المحاذي لها. كان تصعيد المعارضة اللبنانية، بقيادة حزب الله، سياسياً أكثر منه جماهيرياً. فلم تتحرك أي من المسيرات الجوّالة -التي هي بمثابة عود ثقاب لتفجير الحرب- نحو مجلس الوزراء أو أي من مؤسسات الدولة، على نحو ما فعلت جماعة الحوثيين يوم أمس دون أي مراعاة للمخاطر والاحتقان السياسي وبما لا ينم عن حرص الجماعة حتى على سلامة عناصرها ومؤيديها. ولم ستفعل وهي تبشّر بالجنة وتعطشهم للشهادة؟


وهنا أحث قيادة أنصار الله على سؤال أقرانهم في حزب الله بما أنهم يفضلون ذلك عن سؤال، أو السماع من قوى يمنية: اسألوا حسن نصر الله لماذا لم يحرك حزب الله مسيرات يومية في أرجاء بيروت، على نحو ما يفعل أنصار الله، ولزموا مكانهم وصبروا عاماً ونصفاً رغم نشوب حريق "مجهول" في الاعتصام؟ وحتى عندما فعلوا ما كانوا ليتحركوا ميدانياً لولا قرار إقالة مدير المطار وشبكة الحزب؟
أسالوا نصر الله وسوف يجيب عليكم (وارجعوا إلى خطبه التلفزيونية): لإدراكنا أن أي خطوة تصعيدية كانت كفيلة بتفجير الوضع عسكرياً وسقوط ضحايا وربما اندلاع حرب شوارع!

15 قتيلاً في لبنان طوال 17 شهر ومثلهم في أقل من شهر باليمنحسناً. ماذا عن الضحايا؟
إن عدد الضحايا والقتلى هو مقياس حساس يبين إلى أي درجة يبدو حزب الله منضبطاً وناضجاً مقابل اندفاع أنصار الله وحماستهم المفرطة إلى نحو المواجهة المسلحة. فالأزمة اللبنانية لم تصل إلى طريق مسدود وتأخذ طابع مواجهات مسلحة، جدّ محدودة ومسيطر عليها، إلا بعد مضي 17 شهراً من الأزمة. حتى سيطرة مليشيا الحزب على بيروت لم تدم سوى بضع ساعات قبل تسلميها للجيش، وكان إجمالي عدد الضحايا من الطرفين، ومعظمهم من حزب الله وأمل، طوال عام ونصف فقط 15 قتيلاً. في اليمن تجاوزنا هذا العدد من الضحايا ولمّا يمض شهر بعد على بدء الاحتجاجات.
اسألوا حسن نصر الله هل كانت خيام اعتصام حزب الله عام 2007 أمام أبواب وزارات ومؤسسات الدولة على نحو ما فعل (أنصار الله) عندما نصبوا خيامهم أمام بوابات وزارتي الاتصالات والكهرباء قبل أيام؟ كان اعتصام المعارضة اللبنانية على بعد نصف كيلو من البرلمان ومقر الحكومة والمباني السيادية. وكان من الممكن الوصول إلى المباني الحكومية، دون مشقة رغم الاختناق المروري، عبر أكثر من طريق لطبيعة تصميم المدينة نفسها -بخلاف ما هو عليه الحال في شارع المطار- من السوليدير أو شارع المصارف، أو جهة كورنيش الروشة ومدخلين أخريين.
بالمقابل، قطع أنصار الله، المتوهمون أنهم النسخة اليمنية من حزب الله، شارع المطار -الذي كان بمقدور حزب الله قطعه لكونه أصلاً امتداد من الضاحية الجنوبية- بل ونصبوا خيام اعتصامهم أمام، ولصق سور، وبوابات وزارتي الكهرباء والاتصالات، وعلى مقربة من وزارة الداخلية فما الذي كانوا يتوقعونه؟
أن تبعث لهم الحكومة برقية شكر!


تتخذ وتستبعد الخطوات التصعيدية بناء على إضرارها أو منفعتها بالمجتمع
السياسي العاقل والسويّ هو من يُقدم، أو يتراجع، عن أي خطوة تصعيدية خطرة وغير مأمونة النتائج بناء على تكلفتها ومدى إضرارها، أو منفعتها، بالمصلحة العامة وحياة الناس. فأن تتراجع الحكومة عن الجرعة السعرية فذلك شيء يبهجني شخصياً وأتمناه من قلبي لأن فيه منفعة مباشرة للناس، شريطة أن يحدث ذلك دون إراقة قطرة دم يمني. أما في حال تراجعت الحكومة وكان الثمن مزيداً من أشلاء وجثث اليمنيين وتحريضهم ضد بعض، وتمزيق النسيج الاجتماعي، فلا كان ولا "جعله" كما يقال شعبياً.
أصلاً ما الذي يتوقعوه الحوثيون عندما يقررون تحريك مسيرة جماهيرية نحو رئاسة الوزراء ومقر الإذاعة، في ظل الانسداد السياسي الحاصل، ورغم قنوات الاتصال والوساطة القائمة، بدعوة من اللجنة التنظيمية التي تذكر بشقيقتها اللجنة التنظيمية التابعة للإخوان؟
أكانوا يتوقعون أن يفتح الجنود لهم البوابات مثلاً ويقولون تفضلوا!
لقد كانوا مدركين أن هذه المسيرة، وأي مسيرة قادمة، لن تنتهي إلا بدماء أبرياء وضحايا!
(انتقادي هنا موجه لمتخذي القرار وما يسمى بـ"اللجنة التنظيمية" وليس للمحتجين الذين أدرك أن كثيراً منهم من المتضررين من الفساد وسوء الأوضاع، وممن خرجوا بصدق وإيمان بقضيتهم، ويؤسفني سقوط ضحايا وشهداء وندين بشدة استخدام القوة والرصاص الحي ضد محتجين عزّل، وهو نفس موقفي من مسيرات حزب الإصلاح والشباب إلى القاع ورئاسة الوزراء في 2011م. الثورة تحسم لا تطالب ولا تنتظر إرشادات اللجان التنظيمية. كانت المسيرات الشبابية عفوية وتجسد الفعل الثوري قبل دخول أحزاب اللقاء المشترك كطرف سياسي يفاوض النظام والمجتمع الدولي. أما بعدها فقد صار الضحايا والشهداء، كم أنا حزين عليهم ولعائلاتهم، مجرد أدوات ضغط ووسائل لتحسين نقاط وشروط التفاوض!).


نفي الطائفة، وتكريسها، من خلال موقع الاعتصام
كان اختيار حزب الله موقع الاعتصام في وسط بيروت وليس في الضاحية الجنوبية (منطقته والمكان الذي يمكن له أن يستقوي فيه ويفرض قواعده) اختياراً إيجابياً في تقديري وإن كان لا يخلو من مخاطرةنوعاً ما. لكنه كان اختياراً مدروساً بكل معنى الكلمة لكون وسط بيروت نقطة التقاء وتماس سكاني وعمراني بين المسلمين والمسيحيين. من هنا كانت شرارة الحرب الأهلية والخط الفاصل بينهما، وفي هذا المكان يوجد تذكار بصري بويلات الحرب الأهلية، وهذا المكان أيضاً بات يمثل الآن مركز التعايش بين الأديان والطوائف وفيه يتجاور مأذنة مسجد محمد الأمين كبرى كنائس المسيحية في لبنان.
على النقيض كرس اختيار الحوثيون شارع المطار قريباً من منطقة تواجد أنصاره وأتباعه (حي الروضة)، البعد الطائفي الذي يزيد النسيج الاجتماعي تمزقاً ولا يسهم إلا في استثارة وإيقاظ العصبيات والهويات النائمة. وإذا كان التقاسم والمناطق السكانية المغلقة والتابعة لحزب الله أو حزب الكتائب أمراً تطبع عليه اللبنانيون وأقروه منذ إعلان لبنان الكبير، فإن التأسيس لذلك في اليمن، من خلال تكريس فكرة وحضور الضاحية الشمالية كمنطقة نفوذ للحوثيين، أمر غير طبيعي وخطير وينبغي ردعه ومناهضته من الدولة والنخب.


حصار العاصمة بجحافل المسلحين ليس اعتصاماً
الأهم من كل ذلك أن اعتصام 2007م لم يفرض طوقاً وحصاراً مسلحاً على العاصمة اللبنانية بالمعنى الحرفي على النحو الذي فعل الحوثيون على مداخل صنعاء، بجحافل من المسلحين، بمنتهى التبجح والتباهي بقيامهم بمهام الدولة. هذا شيء مقرف ولا يسكت عنه. فضلاً عما تواتر في وسائل الإعلام حول المهندس العامري الذي قتل في حزيز يوم أمس، بسبب رفضه السماح لمسلحي الحوثي، حسبما نقل عن أسرته، باعتلاء بناية منزله.
لا علاقة للاحتجاجات السلمية بالتجمعات المسلحة. لا علاقة للاعتصامات المشروعة بنصب نقاط التفتيش واستبدال الدولة بالمليشيا.
أعرف ما الذي سيرد به الحوثيون على ما يطرحه هذا المقال:
سيقولون وهل اليمن مثل لبنان؟
وهل الجيش اللبناني كاليمني؟
وهل في لبنان قبائل مثل اليمن؟
وهل يوجد في لبنان بيت الأحمر وعلي محسن؟
من السهل الرد بنفس الطريقة الجدالية على هذا السفسطة:
وهل يوجد في لبنان وزير دفاع يترأس وساطة بين لواء تابع له ومليشيا مسلحة؟
وهل يوجد في لبنان رئيس جمهورية بذهب إلى محافظة سقطت عسكرياً ويعلن تسلم الدولة لها، ثم بعد أقل من شهرين، يوعز لمجلس الأمن، ويدعو باستكمال انسحاب الحوثيين من عمران؟
بل والأهم من كل ذلك: إن كان لبنان ليس اليمن فلماذا إذن يسعى أنصار الله إلى احتذاء وتطبيق نموذج حزب الله في اليمن؟


من ينتقد المحاصصة لا يطالب بالتقاسم وإنما بالانتخابات!
انتقد الحوثيون (أنصار الله) طوال الأعوام الثلاثة المحاصصة الحزبية في الحقائب الوزارية ومناصب الدولة كصيغة رديئة أنتجتها المبادرة الخليجية وآلية تسيير وإدارة المرحلة الانتقالية. وبدلاً من الدعوة إلى الدستور وتفعيل القوانين القائمة بدلاً عن المبادرة الخليجية (وبصرف النظر عن الدستور الذي يجري طبخه وسلقه مع سفراء الدول العشر) من خلال الدعوة إلى انتخابات محلية وبرلمانية ورئاسية يطرح الحوثيون في مفاوضتهم مع السلطة الانتقالية، ولجان الرئاسة في الغرف المغلقة، وفي وسائل الإعلام، ما هو أردأ وأسوأ وأشنع من المحاصصة الحزبية: "التقاسم في كل مناصب الدولة!"
إن السلطة الانتقالية الحالية فاقدة للمشروعية، ولن تصبح ذات مشروعية لمجرد توسيع دائرة المحاصصة وإشراك الحوثيون في السلطة. وما لم يتم استبدال وإحلال المشروعية الانتخابية بدلاً عن المبادرة الخليجية فإن أي، وكل، حديث عن المشروعية إنما هو محض هراء ولغو.
ومن نكد الدنيا أن جميع القوى السياسية المحلية والدولية –باستثناء تنظيم القاعدة- مجمعون على مخرجات الحوار ويدعون إلى تطبيقها! في حين أن الشخص الوحيد الذي لا يكفّ عن الدعوة إلى الاحتكام إلى "صناديق الاقتراع" طوال المرحلة الانتقالية ليس قادة أحزاب المشترك بيساره ويمينه وما اختلط منهما وإنما، ياللعجب، الرئيس السابق علي عبدالله صالح!

يتبع

Disqus for TH3 PROFessional