الجمعة، 28 نوفمبر 2014

هل تغيرتُ أنا أم تغيرت عدن؟

هل هذه عدن؟ لماذا إذن أشعر بالخوف؟
لماذا لم أعد متحمّساً للجلوس أمام البحر بالساعات؟
لماذا لم أعد متحمساً للتسكّع والسهر حتى بزوغ الفجر في ساحل أبين؟ 
في سنوات طفولتي وبعض مراهقتي، كنت أمتد على رمال سّاحل أبين إلى ساعة متأخرة. أتمرّخ بطرف الأمواج باسترخاء وتلذذ، أمشي حافياً، ارسم، أتشقلب.. كنت أتصرف بتلقائية دون التفكير، أو مراعاة، شيء. #عدن من تلك المدن التي تمنحك الخصوصية وتشعرك أنك الشخص الوحيد في هذا العالم. لا أحد يراقبك. لا أحد يعتدي عليك بنظراته أياً كان لبسك أو شكلك؟ لا وجود لثقافة المدن الـ"جوانية". مدن الستائر المغلقة، والعيب، واستكراه عادة الجلوس على الرصيف.
كانت رائحة البخور العدني طريقة كريتر المفضّلة في الترحاب بالواصلين إليها.
الغروب من خليج الفيل، والشروق من ساحل أبين
مشهدان كفيلان بإقناعك أن لحظة خلق الكون و"الانفجار العظيم" كانت هنا.
لدى غربان المنصورة الكثير لترويه للمسافرين عبر التاريخ. معمار التواهي وتصميمها الآسر مدعاة للقهر. طاوات الخبز في دار سعد أم رائحة التونة في شاطئ صيرة؟ طفل يمسك بيده آلة حاسبة ويعدّ حبات الديمن على الشجرة. ساعة الـ"بج بن" عطلانة. بصقة تمبل. خور خور يصرخ شاب. عجوز تطلب من السائق التوقف عند "الهوزبيتل"، ما يفعل ذلك القارب العازب وحده؟ في الليل تتجمع البجع على شكل عائلات في مياه صيرة. ويلمع الزبد ويضيء على مد البصر في ساحل أبين.  
هل أنا في عدن؟ لماذا إذن أشعر بالاختناق في أكثر المدن اليمنية وفرةً بالأكسجين؟
هل أنا في عدن؟ لماذا إذن أشعر بالجفاء وانغلاق الناس في أكثر المدن اليمنية ترحاباً بالقادمين إليها وتذويباً لهويات المقيمين فيها؟ هل تغيرتُ أنا أم تغير الناس أم تغيرت عدن؟
كأني نزلت في الكوكب الخطأ؟ هل أبدو غريباً؟
 لم أشعر يوماً بالغربة في عدن. مدن وأماكن كثيرة تشعرني بالغربة ليس منها مدينة عدن.  لطالما قيل لي إن بشرتي بشرة عدنية.
هل أنا محتلّ؟ إذن لم لا يبدو عليّ ترف المستعمر؟

هل تدل ملابسي ولهجتي على أني قادم "مطلع"؟
وهل المشكلة في الملابس أو في اللهجة أو حتى في "مطلع"؟
إذن هل عليّ القلق عند اقتراب سيارة أثناء سيري وحيداً في الليل؟
في الحقيقة ما من شعور أثقل وطأة، واشد كآبة، من أن تمشي في الشارع وأنت تعرف أن أحدهم ينظر إليك بوصفك محتل أو غازي.
-        غازي بلحمر.
-        لا مش أنا.
كانت تلك ورطة صديق يشبه غازي المسئول الحكومي.
هل أنا في عدن؟
لماذا إذن أرى في عيون الناس فُضولاً مؤذياً لمعرفة من أين أنا ومن أيّ محافظة أتيت لا من أكون؟ كانت لفظة "دحباشي" تقال بعد الوحدة، وفي السنوات الأولى لتداول الكلمة، لوصف سلوك شخص بعينه. اليوم تقال لوصف جغرافيا. كذلك أيضاً كانت لفظة "جبالية" قبل الوحدة وحتى أثناء الاستعمار البريطاني. اليوم تم الاستغناء عن اللفظتين بمحتلّ!
ياللهول.
هل أنا في عدن؟
سمعتني ابنة أحد أقربائي، وهي طفلة في السابعة، أغني "شدّت خيول العوالق يا ريتني عولقي". في اليوم التالي عادت من المدرسة وكانت بدمها العدني الجميل غضبانة مني، لأن أحد أقرانها قال لها إن تغني أغنية دحباشية!
قالتها الطفلة (وهي تعزية الأب عدنية الأم) بتقزز وكأن سحلية مرت على جلدها.
ذكرتني الطفلة أني دحباشي وكانت تلك أول مرة لا أشعر فيها بالتضايق من تعبير مقيت. في السابق كنت أنزعج وأشعر بالاهانة لمجرد سؤالي من "أين أنت ومن هو شيخكم؟". هذا السؤال وإن بدا تعارفياً إلا أنه يبطن اختزال الإنسان في جغرافيا. كان ذلك سبباً كافياً حتى ينخفض تقديري لصاحب السؤال الذي لم أكن أظهر أي تسامح، أو حسن نية، معه رغم أنه استفسار شبه يومي في صنعاء، ويقال في كثير من الأحيان عفوياً وعلى نحو بريء.
في طفولتي كنت أتأذى كثيراً عند سماع زملائي في المدرسة ينادونني، بالـ"برغلي" ومع ذلك كنت أتفهم صنعاء. وفي مراهقتي تأذّيت من شباب البرع والمزمار وهم يسخرون من أغاني أيوب طارش ويحتجون عند سماعها في الأعراس وكأن المكان الأنسب لسماعها هو البوافي والمطاعم فقط، ومع ذلك كنت أتفهم صنعاء. وحتى اليوم أشعر بالتأذي وأنا أسمع أطفال الحيّ ينادون صاحب البقالة يا ريمي وكأنهم يشتمونه! كنت أكره في صنعاء ومدن أخرى بما فيها تعز انتقاص كرامة الإنسان كمناداة ذوي البشرة السمراء والسوداء بـ"خادم" و"مقرع". كنت أكره في صعدة ازدراء المجتمع لابن محافظتهم اليهودي، وأكره في عمران ومعظم محافظات الشمال ازدراء وانتقاص الـ"مزاينة" والجزار والقشّام وبقية المهن. أكره في ذمار انتقاص شخص من المقادشة لابن محافظته العنسي، ولو في سياق دعابة أو مزحة، وازدرائهما معاً لآخر "شافعي" من إب. في كل محافظة يمنية ثمة لوثة ما.
شخصياً لطالما جاهدتُ نفسي، وأشْقيْتها، حتى لا أجدها حبيسة انتماء ضيق: عصبوي، مناطقي، قومي، مذهبي أو ديني. في تقديري المتواضع الناس في هذا العالم أحدُ اثنين: إنسانٌ أسير انتماءاته الوراثية غير المكتسبة: مذهبه، سلالته، عصبيته، قوميته.. وإنسان متحرر مثابر تغلبت انتماؤاته المكتسبة، بالمعرفة والكدّ، على انتماءاته الوراثية الجاهزة. أريد، وأسعى جاهداً لأكون الثاني.
كان أحد فلاسفة الثورة الفرنسية يقول إن الفرنسي فرنسي بمحض صدفة مولده في فرنسا، والألماني ألماني بمحض صدفة مولده في ألمانيا. وحده الإنساني قاسم كوني مشترك في كل إنسان عابر للحدود والقارات.
الآن يبدو أني بتّ أكثر تسامحاً وقدرة على التعايش مع الترهات ونسيت كلام الفيلسوف الفرنسي.
التفتُّ نحو الطفلة وقلت لها باعتداد جاهلي: نعم يا حبيبتي أنا دحباشي.

_____________________

تنويه: هذه مقتطفات من مقال انطباعي طويل كتبته إثر إقامتي لثلاثة أشهر في عدن عام 2011م كتبته وقتها ولم أنشره ولم أعد متحمساً لنشره بالمرة. خاصة وأني كنت مبالغاً بعض الشيء وكتبته في مزاج من تعرض للصدمة. ورغم أن سموماً كثيرة لما تزل باقية، بل ومرشحة للتطرف أكثر، إلا أن الشيء الذي بتّ متيقناً منه في زيارتي الأخيرة الخاطفة لعدن، أن هذه المدينة لا تموت وأن عدن دون كل مدن الدنيا لها قوانينها الخاصة وكيمياءها المتمردة على قوانين الكيمياء.

هناك تعليقان (2):

Disqus for TH3 PROFessional