الاثنين، 9 فبراير، 2015

تأملات قرآنية: داخل العقل الديني


الوصول للسلطة "تمكين وفتح من الله" والفشل "ابتلاء من الله"
وهم في السلطة: "يد الله مع الجماعة" وهم خارجها: "ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"
في كل زمن ومكان تستخدم وتطوّع الجماعات الدينية النصوص المقدسة حسب مصالحها ووضعها وتبرمج أتباعها على ذلك.
إن انتصرت قالت "فتح من الله"، وإن هزمت قالت محنة وابتلاء من الله.
وصل محمد مرسي إلى الحكم فقالوا قادمون يا أقصى
سقط نظامه فقالوا "مؤامرة صهيونية وغربية"
وصار أحدهم يذكرك بأبي ذر وابن مسعود.
التفتوا إلى الجهة الأخرى: أسقط الحوثيون صنعاء فقالوا: "الله ينصر الحق"، وطفقوا يقولون لعامة الناس لو أن الزنداني على حق ما هزمه السيد وما كان تخلى الله عنه! وكأنهم تناسوا أن الحق ليس الذي ينتصر دوماً، وإلا ما قتل الأنبياء، وإلا لكان يزيد على حق (تصوروا!) والحسين على باطل! هكذا هم عبر التاريخ.
وهكذا في زمننا وبلدنا الحبيب. وصلالإصلاح  للسلطة مع المشترك فقالوا تمكين ووعد إلهي. وسمعت أكثر من صديق إصلاحي يستشهد بقوله: "ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم". دولتنا باختصار. ووصل الحوثيون بالسلاح وكانقلاب
إلى السلطة، فقالوا بكل يقين من القرآن الكريم:
"ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعل منهم أئمة، ونجعلهم الوارثين".   أو "أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله". أو "الله يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة" باعتبارهم المصطفون! 
إن تمكنوا تنمروا وان هزموا تمسكنوا.

والسؤال الجوهري: لماذا يعتبر المنخرطون في الجماعات العقائدية -في الغالب- الوصول إلى الحكم دليل تأييد إلهي، مع أن القرآن ذاته يؤكد العكس: فرعون موسى (رمسيس) ظل حاكماً، كما تجمع كتب التاريخ، زهاء 67 سنة فهل هذا تمكين وتأييد إلهي يا قرآنيون؟ 
لماذا يتعاملون مع النص القرآني بانتقائية وأنانية؟ أو على نحو أدق "جعلوا القران عضين"، و"جعلتموه قراطيس". وآيات أخرى. 
ذات الشيء عن المال والنفوذ والسلطة. هذا قارون أوتي كنوز العالمين وقصته يسردها القرآن بوضوح. والملك "الذي حآج إبراهيم في ربه أن أتاه الله الملك"، أليس وصولهم إلى الحكم ونفوذهم دليل وفق قياسهم، على ما ترددوه بثقة ويقين ليل نهار على أتباعكم:  الله ينصر الحق. 

هكذا إذن يتم تطويع النص القرآني واستثماره:
"يأخذون عرض هذا الأدنى"... 
"يشترون به ثمناً قليلاً"...

دعونا نضرب مثلاً واقعياً محلياً ظريفاً: 
إذا كان هناك من المؤتمرين والإصلاحيين من ينظر إلى الوزير السابق حمود عباد باعتباره منافقاً أو من المؤلفة قلوبهم، فإن هناك من الحوثيين من ينظر إليه باعتباره "مؤمن آل فرعون": غافر

وهم في السلطة: "يد الله مع الجماعة"
وهم خارجها: "ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"
ذات الشيء يسري على العديد من المفاهيم والمسلمات:
عندما كان للإخوان مسيرات كبيرة، كان معيار الحق والباطل، والعدالة والظلم، بالنسبة لأتباعهم هو الكثرة والغلبة مقابل ازدراء واحتقار الأقليات و"الشرذمة الضالة" والعلمانين و"حزب الكنبة". كان يقال، وفي مصر خاصة:  "لا أحد قادر على حشد الناس مثل الإخوان" كأنها علامة جودة.

وإذا خرج غيرهم قالوا: "إن هم إلا شرذمة قليلون".
وكانوا يلحون على فكرة مركزية هي: "يد الله مع الجماعة".

الآن العكس. باتت الأقلية شيئاً عظيما، والجموع "همج رعاع". حتى إني لا أعجب إذ صاروا يبررون ويستشهدون بالنصوص القرآنية التي هي في معظمها تذم الكثرة، لتبرير هزيمتهم لأنفسهم وأتباعهم وإيجاد عزاء وترك أمل:
"وقليل ما هم"
"ولكن أكثر الناس لا يعقلون"
و"إن تطع أكثر من في الأرض".. الخ

انظروا إلى الجهة المقابلة:
إن الحوثيين الذين يتباهون الآن بحشود أتباع المسيرة القرآنية وصورهم وجحافلهم الجرارة، وباتت الغلبة والكثرة برهاناً لديهم على التأييد الإلهي وبطريقة اشد تبجحاً من الإصلاح، هؤلاء ذاتهم الذين كانوا إلى وقت قريب ينادون بحقهم في "ممارسة شعائرهم الدينية كأقلية، ويذمون الكثرة الذين هم "همج رعاع أتباع كل ناعق" حسب وصف الإمام علي لكميل بن زياد. 

لا يتغير النص وإنما يتغير الناظر له وموقعه السياسي والاجتماعي، وربما مصالحه.
ابعدوا تأويلاتكم واستخدامكم للدين واعملوا الصواب لأنه صواب وحسب وليس لأنه حلال ومن الشريعة، وتجنبوا الخطأ لأنه خطأ وحسب وليس لأنه حرام، وابدؤوا بأنفسكم قبل غيركم. 
كونوا عادلين وحسب.
**          **

فرعون في القرآن رمز وسلوك وليس شخصاً بعينه مات وشبع موت
حتى فرعون لم يقل لقومه أنه سيقودهم إلى الغرق في البحر الأحمر، وإنما قال لقومه عن اعتقاد وثقة "ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد". ولو كان في عصرنا، وما أكثرهم، لتحدث دون شك بلغة العصر: الحوار، التعايش، الشراكة، دولة القانون.. إلخ
الطغاة والمستبدون عبر التاريخ، لا يكشفون عن نواياهم الحقيقة، ولا يسمّون الأشياء بأسمائها الحقيقة:
فهم يرعبون باسم الأمن،
ويحاربون ويقاتلون باسم السلم
وينظرون إلى من يعارضونهم بوصفهم (إن هم إلا شرذمة قليلون).
لهذا وصفه الحق بقوله "وكذلك زُيّن لفرعون سوء عمله". وفرعون في القرآن رمز وسلوك وليس شخصاً بعينه مات وشبع موت، وإلا لكان القرآن الكريم -حاشاه- كتاب تاريخ
وهذا هو الخسران المبين: أن يزيّن لك سوء عملك.
أعوذ بك اللهم أن أكون ممن ضل ويحسب أنه يحسن صنعاً

**

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional