الثلاثاء، 23 يوليو، 2013

طريقة دوائية في مجتمع مسلح: نصب تذكاري لضحايا السلاح في أماكن قتلهم

بالأمس انتقدتُ أمين العاصمة لمنشورٍ كتبه في صفحته على فيسبوك بدا لي تملقاً للمملكة السعودية، ما زال رائي، واليوم لديّ الشجاعة الكاملة للإشادة بالمبادرة الإنسانية الرائعة لأمانة العاصمة ممثلة باللوحة الإعلانية التي نصبت عند جسر الخمسين حيث قتلا، مطلقةً تسمية جديدة على الجسر:
جسر الشهيدين حسن أمان وخالد الخطيب.  هذه اللوحة لن تنسي اليمنيين أن القتلة ما زالوا طلقاء، وأن الدولة عاجزة عن إنفاذ العدالة الجنائية وهي تحضر للعدالة الانتقالية، غير إنها تذكير بصري فعال لليمنيين،وهم سريعو نسيان، بالجريمة البشعة التي تتكرر بشكل شبه يومي، بسيناريوهات مختلفة وفي كل محافظات اليمن. 
 إنها تذكير. احتجاج بصري. رسالة إلى مجتمع مسّاء ومتسامح مع القتل ومشجع لثقافة السلاح. وهي طريقة دوائية فعالة ومجربة في المجتمعات الأوروبية كنتُ قد طالبت بها صراحةً في مقال نشرته، بتاريخ 18 مايو 2013 ولم أتوقع حقيقة أن تلقى آذان تصغي
لها في جهاز الدولة أو قيادة أمانة العاصمة وكنت أراهن على المجتمع المدني أو بالأحرى مجتمع فيسبوك ودوره الافتراضي في صناعة الرأي العام.

هنا إعادة للمقال، ومناسبة لقول شكراً لكل من عمل على تحقيق هذه الفكرة النبيلة والعظيمة في أمانة العاصمة وقيادتها. فلا شيء شخصي وكل مسئول عام هو عرضة للنقد عند كل سلوك خاطئ أة استغلال للمنصب.

كونوا بخير جميعاً أعزائي.
** **
طريقة دوائية في مجتمع مسلح: نصب تذكاري لضحايا السلاح في أماكن قتلهم
حتى عزرائيل غير راض عن قتلك بهذه البشاعة يا محمد
كان ذاهباً إلى المدرسة فلا وصل إلى الصف ولا عاد إلى البيت. لقد غيرت رصاصة مجهولة طريقه إلى المقبرة. وصباح الأربعاء (15 مايو) كان محمد يرتدي زياً مدرسياً فيما هو الآن يرتدي الكفن ولما يزل في سن الزهور.

أظنه حاول المقاومة لحظة وضعه المُغسّل في الكفن:
فالكفن من دون جيوب!
من دون أزرار وياقة!
ومن دون أكمام!
لا يطيق الصبي هذه الكتْمة.

كان يرتدي زياً دراسيا ويحمل حقيبة طالب مهموم بالدراسة وبقرب الاختبارات. الآن هو في الجهة الأخرى من العالم:
ألا تسمعونه؟
كان ذاهباً إلى المدرسة وفي ذهنه أسئلة الرياضيات والعلوم والنحو. الآن عليه الإجابة عن أسئلة المَلكين ومن ربك وما دينك والجنة والنار!

بم سيرد إن سأله الملكان، كما تروي كتب الحديث الشريف، في القبر:
- وعمرك فيما أفنيته؟
- أي عمر؟
أم كان ليجيب عليهم: في قضية ثأر!
لكنهم بالضرورة يعلمون.
أليسوا ملائكة السماء؟

كان ذاهباً للتعليم في بلد يكره التعليم والمتعلمين
بسبب مجموعة من الأوغاد الذين قاموا بتبادل إطلاق النار في شوارع يريم. لماذا؟

قتيل "يريم" الصبي دونه كل الفواجع.
بالأمس خالد الخطيب وحسن أمان في صنعاء واليوم طالب في الثالثة عشرة من عمره يدعى محمد حميد العقاب في يريم. أين ستكون الثالثة؟

لطفك يا رب.

قتلوه
طلباً للثأر!
استخفافاً بالدولة،
تعبيراً عن عدم الرجولة،
الاحتمالات كثيرة وكلها واردة.

إنه رفيق مؤنس لخالد الخطيب ولحسن أمان في الرحلة.
إنما أرجوكما لا تديرا ظهريكما هكذا واستقبلاه، أرجوكما، بمودة من ينتظران استقبال رفيق ثالث.صدقاني سوف تحبان صحبته وحسن معشراه.

إنه أصغر منكما. أعرف. ولا يهم.
لم يرتد مدرسة خاصة ولم يغادر يريم من قبل.
ومن ملابسه يسهل معرفة أنه ينتمي إلى أسرة محدودة الدخل.

ما كنت ارغب في إجراء مقارنة ولكنها الضرورة فاعذراني.

أنتما ضحايا عرس وهو ضحية ثأر،
أنتما جنوبيان، ما أسوء تحويل الإنسان إلى جغرافيا، وهو شمالي.
أنتما صديقان من قبل في هذه وتلك، وفي الأولى والثانية أما هو فوحيد في الحالتين.

قتلتما ليلاً أما هو ففي عز النهار
أنتما في طريق سريع وهو في وسط سوق!
أنتما تورط بقتلكما أيادٍ لها علاقة بحزب وباستقطابات وتصفية حسابات بين خصوم الجناة السياسيين. أما هذا المسكين فقد لا يتحدث عنه الرأي العام غير النزيه في اليمن. لأنه ضحية من غير الممكن استثماره سياسياً من خصوم القتلة، ولا يصلح لتدعيم فكرة فك الارتباط مثلاً، ولأنه لم يقتل على يد إصلاحي أو مؤتمري أو حوثي أو سلفي فقضيته غير مغرية. إنه ضحايا خارج دائرة الاستقطابات التي تحدد، مسبقاً، درجة اهتمام الرأي العام وانحيازاته السيئة.

أنتما يا عزيزاي، خالد وحسن، تعرفان على الأقل دوافع القتلة أو تخمناها.

أما هو فلا!

كأني بروحه ترفض مغادرة ذلك الرصيف. بل أكاد اراه، من وراء الحجب، يتلفت ويجوب شوارع يريم بحثاً عن قاتله. كأني باحتجاجه البريء يملأ ما بين طباق السماء والأرض. ألا ترونه يقاوم الملائكة؟

يبدو أنه بحاجة إلى قِرب دم فقد نزف كثيراً

لقد هوى على الأرض فجأة وتهشمت جمجته مثل بطيخة أفرغت دماءه دفعة واحدة على رصيف كان ليضع عليه قدمه في خطواته التالية!

ليس بوسعي الجزم ما إن كان قد تناول إفطاره أم قُتل على الريق؟
على الأرجح لا.
هل عليه احتمال العطش حتى قيام القيامة؟
وهل ينتظروننا حقاً أم أن من مات "قامت قيامته" كما يقول الأولون. في الحقيقة كلما مات، أو قتل، طفل أو صبي دون الخامسة عشر من عمره أدرك أن الدروز على حق في معتقدهم عن الروح.

وكنت لأتفهم لو ترصد به قاتله عند خروجه من المدرسة ساعة الظهر والعطش يمزق الحلق، والدم ينبض بشدة في رأس اليمني. لكنني مرعوب من فكرة أن القاتل بهذا النشاط والحيوية ليتربص بصبي في الثالثة عشر من عمره من الساعة السابعة صباحاً.

ينام الطيبون في هذا البلد المنكود عادةً للظهر ويستيقظ القتلة أبكر من الطيور؟

هل احتج زملاءه الطلبة؟
هل قرر جميع المدرسين الإضراب؟
لا أظن. المجتمع اليمني كعادته خذّال بطبعه.

لقد قتل محمد حميد العقاب دون أن يدري من قاتله، ولا فيم قتل وما السبب، ولا من أي جهة أتت الرصاصة؟ يقال إنه قتل ثأراً بسبب أخيه العسكري.

كأني به الآن متذمر من تشوه ملامح وجهه كون الرصاصة أصابت جمجمته ولم تصب أي منطقة أخرى من جسده! لا تكاد تميز ملامح هذا الصبي. وسوف يزف إلى العالم السفلي مثل "هيكتور" في إلياذة هوميروس أعمى أبكم، بلا عينين بلا وجه، مع أنه لم يقاتل دفاعاً عن شرف طروادة ولم يسقط تحت ضربات سيف أخيليس العظيم.

إنه ضحية نذالة الثأر ومجتمع غيبوبة

حتى ملاك الموت عزارائيل عليه السلام أظنه غير راض عن طريقة قتله بهذه البشاعة.
يا ألله: لماذا؟
يالفاجعة أبويه!

لم أتمكن من نشر صورته هنا على الحائط.لقد كدت أتقيأ وأنا أرى صورته وهو مرمي على رصيف أحد شوارع مدينة يريم.

يستطيع مجتمع الفيسبوك عمل الكثير لكم جميعا ولكل ضحايا انتشار السلاح، والرصاص العشوائي والطائش، وضحايا الامن والأعراس والبلدية. لنقم بالرصد والتوثيق أولاً. ولنفكر في العمل على تشنيع فعل القتل.
السمكري الذي قيل إن بيت الأحمر قتلوه!
أصحاب العربيات والبساطات من ضحايا أشاوس البلدية!
والعامل السامعي الذي قيل أخيراً إنه قتل في عدن
وكل ضحايا انتشار السلاح وغياب الدولة (لم اتحدث عن شهداء لثورة باعتبار ذلك أمراً مفروغاً منه وواجباً على حكومة يدعى أنها تمثل الثورة)

توجد طريقة دوائية مجربة، ومضمونة النتائج، في أوروبا.

لم لا تقوم بعمل نصب تذكاري، أو لوحة، أو صورة مسورة بالزهور لكل ضحية في المكان الذي قتل فيه. ولنبدأ بخالد وحسن ومحمد حميد.هناك في الرصيف الذي قتل عليه اليوم الأخير، وفي المكان الذي قتل فيه الصديقان قبله.

إنه تذكير.
احتجاج بصري.
رسالة إلى المجتمع.

فكروا بالأمر وحاولوا أن تحولوه إلى حقيقة. إنهم يستحقون وحتى نقلع عداد القتل بدلاً من انشغالنا جميعاً بعدادات الرئاسة والحوار والصراف الآلي

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional