الأحد، 17 نوفمبر، 2013

أنسي الحاج: فيروز.. أحبها بإرهاب

 (مقال نشر عام 1970)
في حياتنا لا مكان لفيروز. كلّ المكان هو لفيروز وحدها.
 ليكن للعلماء علم بالصوت وللخبراء معرفة، وليقولوا عن الجيِّد والعاطل. أنا أركع أمام صوتها كالجائع امام اللقمة، احبه في جوعي حتى الشبع، وفي شبعي احبه حتى الجوع. أضم يديّ كالمصلّين وأناديكَ : إحفظْها! إحفظها! إذا كنت الله فهي برهانك، وإذا لم تكن أنت الله فهي بديلك!
 لقد وقعتُ سابقاً في بشاعة الكبرياء فكتمتُ اعترافي. والآن اقول اعترافي: 
إني لا اؤمن الا بها. وأعيش لأنها هي الحياة. باقي ما افعله، أفعله مرغماً. أنا مرهون بنزوات حنجرتها، عاقد مصيري على نظرها وخنصرها وآثار قدميها. لقد أعادت اختراع الينابيع. ليست هي طريق الحياة بل الحياة.
 اني أتكلم من اعماق البصيرة حيث الصدق لا يختبىء من الخجل ولا يتدلّل لكي يتعرّى : يا رب إحفظها! يا رب إخدمها! يا رب اعطني كلاماً يليق بها! لقد ساقوا إليها المديح، وارتكبوا بحقها خطيئة التعظيم. ولكن يا رب لماذا اناديك؟ وهل أنت سوى غريب آخر؟
 وسط الجماهير المتمازجة القاسية، أخاف فلا ينقذني إلا صوتها. في فراغ المكان، يتردد كالبشارة في ضميري. في الوقت والأبدية، هو حبي. إني أشتهي ان أضمه بيديّ كيديّ. أو أنفخه فيطير كرماد وردة.


*        *        *

تغنّي لنا الأسرار التي جهلناها،  والأحلام التي نسيناها.

تغنّي وصوتها مكشوف كاليد المفتوحة،  وتغنّي وصوتها محجّب كوجه خفضه العذاب والخفر الى رجاء الأرض.

شعر أغنياتها جميل ولحن أغنياتها جميل.  ولكنْ ليس هذا فقط.  الرحبانيان شاعران كبيران وفنانان كبيران.  ولكنْ ليس هذا فقط.  حتى لو لم يُكتب لها شعر جميل،  فإن صوتها كفيل أن يجعل أي كلام شعراً جميلاً،  حتى لو لم يكن اللحن رائعاً،  فإن صوتها كفيل أن يجعل أي لحن رائعاً.  لأن صوتها هو الشعر، والموسيقى،  والصوت. لأن صوتها هو "الأكثر" من الشعر والموسيقى  والصوت .

صوتها وتمثيلها وحضورها.  إن في وجودها إشعاعاً يبهر كالبرق،  ويستولي على الناظر إليها كما يستولي الكنز على المسافر.

        صوتها الذي أسمعه فكأنه هو الذي يسمعني،  بل كأنه احسن من يصغي إليّ وأنا اصغي إليه.

       صوتها الساقط فينا كالشهيد، المُخمد حولنا العواصف، المُلهب فينا غرائز البراءة والوحشية.  صوتها كمصابيح في المذبح،  وكزهرة جديدة حمراء في حديقة قديمة.

      لا صوتها في سمعنا فحسب،  بل الى الأمام من حياتنا.

      صوتها المنوِّر.  الذي تنويره كتنوير الصليب. لنتوقف ونقدّم لفيروز الشكر في جميع العالم، لأن صوتها راعي الرعشة، لأنه هو الرعشة،  وهو نار الحب الأخيرة الممشوقة كعروس فوق الماء.

*        *        *

     أقول " صوت فيروز" وأقصد " فيروز".  تلك المرأة اللامحدودة العطايا،  التي ليس لجمالها نهاية.  كلها بكاملها،  متحرّكة  وجامدة.  كلها،  بأصغر تفاصيلها.  إني لا اعرف فناً غيرها.

     وأحبها بإرهاب،  أي بالشكل الحقيقي الوحيد للحب.

     إن صوتها هو عصرنا.  ولصوتها سبعون نافذة مفتوحة على الصباح.

     للصرخة إذا خفضناها قليلاً،  قوّة أشدّ.  هكذا صوتها عندما لا يتفجّر كله.  وحين يتفجّر كله يصبح الكون،  بعده، جميلاً كغصن شجرة حرقته صاعقة.

     وما زال أمام صوتها وأمام عبقريته جميع الفرص.  يُقال احياناً:" فيروز؟  نعرف،  نعرف". ماذا نعرف؟  تقريباً لا شيء.  لنسمع صوتها جيّداً ولننظر إليها بعيون نقيّة.  عندئذٍ نعرف انها،  في كل مرة، " تبدأ الآن" . فهي في كل مرة نضرة  كرنّة الثلج في الكأس.  ومع هذا فما تخبئه هو أغنى مما أباحته.

    ليتني أستطيع أن " ألمس" صوتها.  أن أحاصره وألتقطه كعصفور،  كأيقونة. ان اكتنفه وأشربه وأكونه.  أن أصير هو.  أن لا يعود يحبس أنفاسي كلّما سمعته وكلّما تذكرته وكلّما نسيته. ليتني أستطيع أن أضمّه على صدري فيصبح لي وأرى أسراره،  ولا يعود ممكناً إنتزاعه مني ولا بالموت.

       أن ما يحدث لي تجاه صوتها ليس فعل السحر.  أنه اجتياح. إنه فعل الإتحاد التام.  عندما أسمعها أصبح إنساناً ناقصاً صوته.  أصبح بصوتها.  إنها الجمال الذي ضاع منذ الخليقة.

      وعندما تسكت فبوحشية.  يصير المسرح تحت سكوتها مقاطعة تتنفس الحنين إليها،  ثم تصرخ عطشها الى كلام فيروز.  كم سكوتها مؤلم!  إنه يأخذ  الأسرار التي إن لم تقلها لنا تختنق.  هل هي تفرح بعذابنا أمام سكوتها؟

     وها هي تقطع الصمت.  ها هو وجودها يغضب كالضوء،  يموج كالبجع الأبيض، يرقّ كنداء العينين. وتبكي وتضحك بلا بكاء ولا ضحك، وتملأ الدنيا بقليل منها،  لأن القليل منها أكثر من السعادة.

*        *        *

      هذه التي تشعل المسرح هي أيضاً تشعشع لنا  الحياة.  والمسرح ليس حيث المسرح فحسب،  المسرح هو أيضاً قلوبنا.  بعلبك والأرز ودمشق وبيت الدين وقصر البيكاديللي وكل مكان يأتي منه صوتها،  جعلتها فيروز أوطاناً لنا.

    إحفظها! إحفظها!

    فيها خطر يجذب كالبحر.  ألا تعرف ما الذي يأخذك في صوتها؟  هو الجبل الذي هو هاوية،  والنسيم الذي هو عاصفة.  صوتها مثل مركب شراعي يمضي في وجه النوّ،  فيتوجّع ويتمزّق،  حتى يغلب بعناده جنون الطقس،  فتسجد فوضى الكون أمامه منهوكة كالرجل على صدر حبيبته .

    مرآة الشوق،  مرآة الحنان والحنين، مرآة الحب،  مرآة الجرح والصدق،  وأكبر مرآة للحزن والشهيّة.

    لو كان صوتها صليباً لحملته،  ولو كان بحراً لأشعلته.  لكنه أعظم من ذلك. إنه الجمال. وأي هدف أعظم من الجمال يقدر الإنسان ان يعيش له؟

    لو قلت أن فيروز هي الوحيدة لما قلت شيئاً.  لو قلت انها كل شيء، لما قلت شيئاً.  ولو قلت اني مهما قلت سأبقى عاجزاً عن القول،  لما قلت شيئاً.

    في حياتنا لا مكان لفيروز.  كلّ المكان هو لفيروز وحدها.

    في حياتي لا مكان لفيروز. إن فيروز حياتي.



15 شـــبَاط 1970

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional