الثلاثاء، 26 نوفمبر، 2013

دراسة: اليمن.. الانهيار الوشيك *

تواجه اليمن، أفقر دول الخليج العربي وأكبرها تعداداً سكانياً، ثلاثة تحديات خطرة تتراوح بين الاقتصادية، والديمواغرافية، والمركبة (سياسية/ أمنية/ قومية). ومن الواضح أن التحديات الأمنية التي ارتفعت درجة خطورتها، وتنوعت أشكالها، وانخفضت فرص احتوائها والسيطرة عليها؛ بالتزامن مع "الربيع اليمني"، ما تزال المحرك الأساسي لمقاربات المجتمع الدولي، المتحفظة والحذرة، تجاه اليمن وأوضاعه بالغة التعقيد.
فالحكومة اليمنية موجودة في نشرات الأخبار واللقاءات الدبلوماسية وحسب. وفي ظل أزمة انقطاع التيار الكهربائي عن العاصمة، ومعظم المدن الرئيسية، بمعدل مرة إلى مرتين في الأسبوع، يبدو الحديث عن قضايا التنمية والتعليم وحقوق المرأة والسجل الانتخابي بالنسبة للمواطن العادي ضرباً من اللغو.
لنقم بترتيب القطع على رقعة الشطرنج:


لدى الحكومة المركزية تاريخ طويل، يمتد لقرون، من العجز عن بسط نفوذها على كافة الأراضي اليمنية، إضافة إلى عجزها وتقاعسها، المُحْدث والقديم، عن مراقبة وضبط الشريط الساحلي الأكبر  في المنطقة2500 كم، (مقابل 3300 كم طول الخليجين العربي والفارسي) الذي يتسلل منه وإليه أعضاء تنظيم القاعدة، ويتدفق إليه اللاجئون من القرن الأفريقي (أكثر من مليوني لاجئ)، وازدهر كسوق سوداء لتهريب السلاح والمخدرات والمشتقات النفطية، بشكل منظم، بعلم وتواطؤ قادة الوحدات العسكرية، في حالات كثيرة.

وشهد اليمن انتفاضة شعبية 2011 انشقّتْ بسببها، أو خوفاً من تداعياتها، النخبة القبلية والعسكرية الحاكمة. وسرعان ما اندلعت بينها مواجهات عنيفة، بالأسلحة الثقيلة، في عدد من المدن تحولت معها، وبمقتضها، الانتفاضة الشعبية إلى أزمة داخلية بين النظام والمنشقين عنه، افضت إلى اتفاق سياسي، برعاية أممية خليجية/ سعودية، قضى بتنحي الرئيس علي عبدالله صالح وتسليم السلطة لنائبه، واحتفاظ حزبه بنصف الحكومة، مقابل منحه، وكل من عمل معه لـ33 عاماً، منشقين أو مواليين، حصانةً من الملاحقة القضائية عن أية جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان.
ومنذ تشكيل حكومة الوفاق أواخر 2011م بصيغة تقاسمية، اتسمت بتفضيل معيار الولاء والانتماء الحزبي على الكفاءة والاستقامة، زادت المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة المركزية، وتركزت هجمات تنظيم القاعدة أكثر، وتعاظمت الجماعات المسلحة والمليشيات القبلية، وشهدت البلاد سلسلة نزعات قبلية ودينية تهدد السلم الاجتماعي، خاصة بين الحوثيين الشيعة والسلفيين، واتسعت النزعة الانفصالية في الجنوب، كل ذلك بالتزامن مع إدراج الصحفيين في قائمة الأجانب المستهدفين بالخطف، بعد اختطاف الصحفية الهولندية جوديت وزوجها، والذي كان مقتصراً قبل "الربيع اليمني" على الدبلوماسيين والعاملين في مجال الإغاثة.
لكن أسوأ مظاهر الانفلات الأمني، وأكثرها إثارة للذعر المجتمعي، وأقلها تحريكاً للسخط الحكومي! شيوع سلوك إجرامي جديد. اغتيالات احترافية أودت بأكثر من 100 من ضباط وقادة الجيش والاستخبارات، قتل معظمهم وسط العاصمة وفي المكلا، عاصمة حضرموت، بواسطة أسلحة كاتم الصوت، وقتلة يتجولون المدن على دراجات نارية، غير خاضعة للرقابة المرورية الحازمة، دون أن تتمكن السلطات الحكومية من القبض على خلية إرهاب واحدة.
إلى جانب تفشي التعليم الديني المغذي للتطرف، غير الخاضع لإشراف الحكومة، وشحة المياه، ومعدلات وفيات الأطفال وسوء التغذية، ونسبة الأمية العالية، فإن أبرز تحديان ديموغرافيان في اليمن هما: معدل النمو السكاني الأعلى على مستوى العالم بنسبة 3% سنوياً أكثرهم من الشباب. وتوزع سكان اليمن على 136 ألف مستوطنة وقرية، حيث يعيش أقل من ثلث السكان في التجمعات الحضرية ما "يُصعّب على الحكومة المركزية قدرتها على السيطرة بشكل فعال على أنحاء البلاد".
وبعد، يبدو الهمّ الاقتصادي، بالنظر إلى كل سبق من مخاطر وتحديات، آخر ما يمكن أن تقلق بشأنه النخب السياسية المحلية أو المجتمع الدولي الذي ينظر إلى اليمن بوصفه الخزان البشري للخليج العربي، المهدد بالانفجار، وبلداً يمتاز بموقع استراتيجي يجتذب المخاطر والأطماع، وتمر بمياهه الإقليمية يومياً 3 ملايين برميل نفط.
بلد الستين مليون قطعة سلاح الذي كان يُدعى قديماً "العربية السعيدة".

في الملف الاقتصادي؛ بلغ عجز موازنة 2013م ثلاثة مليارات دولار، وهو الأعلى في تاريخ المالية اليمنية، وفي يونيو حزيران ارتفع معدل التضخم إلى 14.5% كأعلى مستوى له منذ 16 شهراً، مع انخفاض حاد لاحتياطي النقد الأجنبي، وارتفاع المديونية الخارجية إلى 7.178 مليار دولار في نهاية يونيو.
ويبدو جلياً فساد وعقم السياسية المالية لموازنة الدولة لعام 2013م، التي تجاوزت 12 مليار دولار ، بزيادة ملياري ونصف مليار دولار عن موازنة آخر حكومة في عهد الرئيس السابق. كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد اعتبرت "الموازنة العامة للدولة" المورد الأول للفساد عام 2006م في دراسة "تقييم الفساد في اليمن". وهي النتيجة ذاتها، في تقديري، عام 2013م. ذلك أن ثلاثة بنود تستحوذ وحدها على 75% من الموازنة، هي:
1-      مرتبات موظفي جهاز الدولة المدني والعسكري.
2-      دعم المشتقات النفطية (الديزل والماوزت) بأكثر من 3 مليار ونصف دولار.
3-      الدين العام: فوائد تدفعها الحكومة اليمنية للبنوك المحلية بأكثر من مليار ونصف دولار سنوياً كمتوسط.
إن البندين الأول والثاني، بلغة الإقتصاد، يستحوذان على خُمس الناتج المحلي لليمن البالغ 35.65 مليار دولار حسب تقدير البنك الدولي. فأجور القطاع العام تمثل 11% من إجمالي الناتج المحلي لعام 2012، ودعم المشتقات النفطية (الذي يستهلك ثلثي الإيرادات النفطية الكلية للبلد) يمثل 9% من الناتج المحلي، في حين لا تتجاوز نسبة الإنفاق الاجتماعي 1% من الناتج المحلي.
ولم تعمل الحكومة على تحسين مواردها الضريبية وهو من عشرات الموارد المهدرة، وغير المستثمرة بشكل فعال. وتعد اليمن من أقل الدول تحصيلاً للإيرادات الضريبية بسبب فساد النخب التجارية وجمع كبار مسئولي الدولة بين العمل الحكومي والتجاري. بحسب إحصائيات دولية دقيقة فإن الايرادات الضريبية، شاملةً الجمارك، بلغت 24% كنسبة مئوية من إجمالي الناتج المحلي للمغرب عام 2012م، و21.1% من ناتج تونس، و20.9% من ناتج جيبوتي، و18.5% في موريتانيا، و17.7% في لبنان، و15.9% في الأردن، و11.9% في أثيوبيا، بينما لا تزال دون 7% من إجمالي الناتج المحلي لليمن.
وأقدمت الحكومة مطلع 2012على أكبر جرعة سعرية في تاريخ ما يعرف بالإصلاحات السعرية، التي بدأت عام 1996 بإشراف البنك الدولي، فرفعت أسعار المشتقات النفطية بنسبة 200%، كان من الممكن استخدام وفرها المالي في التنمية ومحاربة البطالة بشكل فعال، غير إن الحكومة بدلاً من العمل على زيادة الإنفاق الاجتماعي، وخفض اعتمادها على وقود الديزل والماوزت، باهظي الثمن، في توليد الطاقة الكهربائية تدريجياً؛ قامت بتجنيد أكثر من 39 ألف جندياً في الجيش. وضاعفت استيراد الديزل والماوزت من الخارج- فيما هي عاجزة أو متقاعسة عن حماية أنبوب النفط المحلي صافر، الذي ينتج 23 ألف برميل ديزل يومياً- بكميات مهولة (ملياري لتر سنوياً)، تستوردها بالسعر العالمي وتبيعها للكهرباء بربع قيمتها. ويقدر خبراء ان نصف الكمية فقط تذهب لمحطات الكهرباء بينما يهرّب نصفها، بشكل منظم، للسوق السوداء عبر ميناء المخا وسواحل البحر الأحمر، من قبل شبكة مختلطة تابعة لمشائخ وتجار وقادة عسكريين.
إن تهريب الديزل يخسّر اليمن، بحسب إحصائيات حكومية ومستقلة، 200 مليار ريال (مليار دولار). أي ميزانية التعليم والصحة معاً.
بالمجمل لا فائدة من سياسة الإصلاحات السعرية لأي حكومة يمنية، إن ظلت تعتمد في توليد الكهرباء على وقود الديزل والمازوت (بنسبة 70% كالوضع الحالي) وليس على الغاز الطبيعي الذي تبيعه اليمن بأقل من نصف أسعاره العالمية. لأن ما وفرته من رفع الدعم الجزئي أنفقت مثله، وأكثر، على عقود استئجار الطاقة الجديدة، وكميات الديزل الإضافية المستوردة لتشغيلها. حتى إن إصلاحات يناير 2012م الجريئة، ممثلةً برفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة 200%، فقدت جدواها مع حلول ديسمبر2012م. ذلك أن الطاقة المستأجرة قفزت من 220 ميجاوات مطلع 2012م إلى 480 ميجاوات بحلول ديسمبر2012 وكلها بوقود الديزل . المؤكد هنا أن المواطنين والمزارعين، الذين يوفرون 30% من الناتج المحلي، هم وحدهم المتضررون من "الإصلاحات السعرية" في 2012! وليس مهربو الديزل الذين تمت مكافأتهم، أو تعويضهم، من باب خلفي لا تراه عيون صندوق النقد الدولي عادة يدعى: عقود استئجار الطاقة.

شراء الطاقة هو السوق السوداء الجديدة للفساد في اليمن. إنه مثل شراء كيلو حلوى بسعر كيلو ذهب أو كاستئجار جناح بفندق ودفع إيجار ليلة واحدة مبلغاً يفوق قيمة شراء، أو بناء، الفندق ذاته. هذا ما تفعله الحكومة: تشتري 20 ميجاوات بقيمة محطة غازية حكومية بقدرة 200 ميجاوات تدوم لعشرات السنين، وتحقق 100 مليار ريال كأرباح سنوية للدولة على أقل تقدير.

____________________
* من دراسة لمنظمة دولية 

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional