الأحد، 26 يناير، 2014

علوي السقاف يكتب عن ثلاث شخصيات بكى على موتهم علانية!

ثلاثة، فقط، ممن لا تربطني بهم علاقة شخصية ومباشرة، بكيت علانية عندما وصلني خبر موتهم:
الأول هو الفنان النجم عبد الحليم حافظ. وأقول النجم بكل وعي؛ لأني لا أعرف فنانا عربيا ينطبق عليه المفهوم الكلاسيكي لهذا الوصف كما ينطبق على "حليم".

كنت تلميذا صغيرا حين مات "حليم". وأذكر تماما أخي أحمد، وابن عمي طه (الله يرحمه)، وهما ينقلان لي، بكل برود وخبث، خبر وفاة الفنان الذي أعشق. أكملا مهمتهما وظلا ينتظران، بشغف، رد فعلي. نظرت إلى وجهيهما برهة ثم انفجرت بالبكاء.
الثاني كان الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.

لم نسمع، في بيتنا، خبر وفاته إلا صباح اليوم الثاني لمقتله. نمنا تلك الليلة باكرا؛ بسب انشغالنا نهار ذلك اليوم بترتيب البيت الذي انتقلنا إليه حديثا، وبسبب سفر أبي نفس ذلك اليوم إلى خارج البلاد.
في ذلك الصباح كنت وإخوتي نتناول فطورنا قبل الذهاب إلى المدرسة. كنا في المطبخ، جوار أمي، التي كانت تلتقط الخبز ساخنا من على "الطاوة" وتضعه أمامنا. في تلك الأثناء سمعنا من "الراديو" صوت المذيع ينعي الرئيس الحمدي ويعزي الشعب اليمني، و... لم أستوعب ما سمعت في بادئ الأمر... صدمني الخبر! ثم فجأة بكيت، بصوت عال، حتى سقطت لقمة كانت في فمي إلى فنجان شاي الحليب الذي كان أمامي.
الثالث كان الكاتب والناقد اليساري حسين مروة، الذي ألف العديد من الكتب، منها: "دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي"، "تراثنا كيف نعرفه"، "دراسات في الفكر والأدب"، وأهمها: "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلاميّة".
كنت طالبا في الجامعة، عام 1987، سنة قتل مروة. وكنت أشعر، بقوة، أنني أنتمي لكل ما يمثله من فكر وموقف سياسي ونظرة للعالم والإنسان والمجتمع. حينها كنت شابا متحمسا، كله يقينا بإمكانية مسك زمام التاريخ وتصحيح مساره بجرّه إلى اليسار.
وصلني خبر مقتله وأنا في ساحة كلية الآداب في جامعة صنعاء. كان الخبر صادما! ملأني بغضب وبحزن عميق. وفيما كنت أتساءل: هل يعقل أن يقتل شيخ في الـ77 من العمر، شيخ ليس طائفيا، شيخ يفكر ويكتب، يفكر ويكتب... كانت تتقافز إلى ذهني كلمات في مقطع من قصيدة كتبها، عام 1980، الشاعر اللبناني حسن عبد الله:
"شخص شيخ
رمادي وحكيم
يفكر كثيرا
يفكر عميقا
ومع ذلك
ما ينفك يسألني
عن أشياء عديدة
كأنني أنا حسين مروة
وهو حسن عبدالله".

كنت أردد هذا المقطع وأنا لمَّا أبك بعد؛ لكن ما إن تذكرت إهداءه الذي صدر به كتابه "دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي"، الذي يقول: "إلى زوجتي التي أعانتني أن أكون شجاعا في قول الحقيقة وأن أعيش شيوعيا نقيا"، ما إن تذكرت هذا الإهداء حتى انهمرت دموعي بغزارة، على مرأى من رفاقي الذين كانوا يشاطرونني الحزن بصمت.

من صفحة الكاتب على فيسبوك
https://www.facebook.com/alawihs

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional