السبت، 15 فبراير، 2014

كيف قاومت الدول الكبرى التغيير في العالم العربي وأجهضته تاريخياً

 تتحالف الدول الكبرى عادة مع الأنظمة المتخلفة في العالم الثالث لاستمرار مصالحها وسيطرتها الناعمة. وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على نحو خاص فإنهما أكثر دولتين قاومتا وعملتا على بقاء الأنظمة الحليفة لها، وإن كانت رجعية أو ديكتاتورية، في السلطة لئلا تنتقل السلطة، بطريقة ديمقراطية أو مفاجئة، إلى أنظمة جديدة مناوئة لها ومختلفة عنها أيديولوجياً من المحتمل أن تهدد مصالحها الاقتصادية. هذا ما تؤكده أي قراءة فاحصة لتاريخ المنطقة العربية خلال القرن العشرين، واتفاقيات الحماية الموقعة بين بريطانيا وأمراء الخليج العربي ودراسة إرشيف الوثائق البريطانية والأمريكية، وهو ما أثبتته أيضاً، بطريقة عكسية، ياللمفارقة، ثورات الربيع العربي في غير بلد وبخاصة في ليبيا.
ثورة الخميني في إيران دُشنت سياسياً بالهجوم على مقر السفارة الأمريكية في طهران. ودشنت اقتصادياً بفضّ الشراكة القائمة، منذ عقود بين الحكومتين البريطانية والإيرانية في شركة BP النفطية التي تعد واحدة من أكبر 7 شركات نفطية في العالم.

نجاح ثورة 1969في ليبيا كان له ثمنه الباهظ على دول السيطرة، حتى أن أسعار النفط ارتفعت عالميا بعد أقل من عام على وصول القذافي إلى الحكم.إثر ارتفاع أسعار النفط الليبي إلى سعر يفوق السعر العالمي وقتها. 


 كانت أسعار النفط متدنية في السوق العالمي إجمالاً قبل أزمة عام 1973م، وبخاصة نفط دول الشرق الأوسط والبلدان العربية الذي يعد الأرخص وقتها. وكان تغير النظام السياسي في ليبيا مبعث قلق للدول الكبرى، أمريكا خاصة، التي تسيطر شركاتها على 80% من إنتاج النفط العالمي. فرداً على تدنِي أسعار النفط، هددت ليبيا عام 1970م بتأميم الشركات العاملة في مجال النفط في أراضيها كشركة أوكسنتدل وشرعت في التصعيد الدبلوماسي. ويؤكد الدكتور محمد الرميحي، في كتابه (النفط والعلاقات الدولية) أن نظام القذافي"هو أول نظام عربي يفرض زيادة في الأسعار على النظام النفطي العالمي".

بخلاف النهاية الليبية السعيدة، أطاحت المخابرات البريطانية والأمريكية قبل ذلك بعقدين في 1953 بحكومة رئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق الليبرالي بسبب إلغائه الامتيازات النفطية البريطانية وتأميم الشركة "في أقذر عملية انقلاب" حسب وصف الصحفي البريطاني روبرت فيسك.

تدرك الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا خطورة تغيير الأنظمة السياسية وكثيراً ما كانت هي حجرة عثرة أمام التغيير في بلدان عدة حول العالم. فقد تسببت مجموعة من الثورات والانقلابات العسكرية، في أكثر من قارة، بخسارة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وغيرهما الكثير من مصالحهما الاقتصادية ما يجعلهما أكثر خشيةً من تغيير الأنظمة السياسية.

ولقي مصيراً أشنع من الإيراني مصدّق، جاره الزعيم العراقي اليساري عبدالكريم قاسم الذي أطيح به في انقلاب عبدالسلام عارف الدموي مطلع الستينات. كان أول قرار اتخذه الرئيس الجديد المؤيد من الغرب إلغاء قرار سلفه عبدالكريم قاسم بتأميم الشركة العراقية النفطية (بريطانية) والتي كانت مقراً رئيسياً لكل عقود وعمليات المملكة في الشرق الأوسط. حتى استقلال الكويت وانفصاله عن العراق، كان استراتيجية بريطانية خالصة متعلقة بالذهب الأسود واستثمارتها. 

وبوصول نظام يساري، يرفع شعارات التأميم والاشتراكية، إلى السلطة في كوبا خاضت الولايات المتحدة الأمريكية حرباً باهظة الثمن ضد فيدل كاسترو دفاعاً عن مصالحها الاقتصادية ومخاوفها القومية حتى أنها لم تتردد، فيما بعد، في استئجار من يتخلص من رفيق كاسترو الثوري الأرجنتيني "تشي جيفارا" الذي كان يسعى إلى تعميم التجربة الكوبية. (يجب ألا ننسى أيضاً أن الفاتيكان نقل، أثناء الحرب العالمية الثانية، كل ثرواته إلى كوبا).

في السياق نفسه، قام الزعيم جمال عبدالناصر بعد عامين فقط من توليه للحكم في مصر بتأميم قناة السويس عام 1956م. سياسياً فقدت بريطانيا بنجاح ثورة يوليو الوصايا السياسية على مصر. واقتصادياً، وبعد 4 أعوام فقط، فقدت بريطانيا وفرنسا قناة السويس. فواجهت مصر عدوان ثلاثة جيوش مجتمعة لكنها خرجت في آخر المطاف منتصرة ومن حسن حظ مصر، ومن بعد نظر عبدالناصر، أن الولايات المتحدة الأمريكية كان لها، على غير العادة، موقفاً مختلفاً عن الموقف البريطاني وكان دورها حاسماً في إيقاف الحرب. (علينا ألا ننسى كيف أطاحت بريطانيا بثورة أحمد عرابي التي كانت في جوهرها تطالب بجوهر القيم الغربية: العدالة والديمقراطية وإنشاء برلمان وتعددية والحريات!)


لهذه الأسباب إذن، وغيرها، تخشى الدول الغربية الكبرى من تغير الأنظمة السياسية في دول العالم الثالث. فالتغيير باهظ الثمن. وتجيد الأنظمة العربية، المستبدة خاصة، استثمار خشية الدول الغربية من فقدان مصالحها وتحوله إلى سبب جوهري يطيل مدة بقائها على الكرسي أكثر.


ولهذه الأسباب أيضاً تدخلت الدول الكبرى وأفسدت ثورات الربيع العربي ووأدتها باكرا.
___________________________

نشر في 2009 في صحيفة حديث المدينة وأضيف له سطران فقط او استنتاج صادف أنه لم يتغير بثورات الربيع العربي وإنما أكدته ولم تنقضه.

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional