الجمعة، 26 سبتمبر، 2014

عندما كان وزير الدفاع بطلاً ثائراً وكنا "فلول"؟ (محاولة أولى لفهم كيف سقطت صنعاء)


في الوقت الذي كانت الناشطة العالمية توكل كرمان تمنح وزير الدفاع ورئيس الأركان “درع الثورة” وصك الوطنية نشرت 50 وثيقة سرية خاصة بوزارة الدفاع وكانت أهميتها أنها لا تكشف فحسب عن سوء إدارة وزير الدفاع وفساده، وإنما تكشف، أيضاً وخصوصاً، كيفية إدارته لحرب أبين الأولى وعدم حماية الدولة للسكان المحليين المتعاونيين معها في أبين كأحد عوامل عودة القاعدة والاضطرار لخوض حرب ثانية، ومن جملة ذلك مثلاً تفريقها بين اسر الشهداء (أسرة شهيد تعوض بـ100 ألف وأسرة أخرى بمليون) وعدم مأسسة أو تجنيد اللجان الشعبية رغم أن ما يصرف عليها ورقياً يقدر بـ151 مليون ريال في الشهر بينما أكد لي عدد من المنتسبين إليها أن ما يصل إليهم اقل بكثير مما هو مثبت ورقياً.. وأمور أخرى

والسؤال البديهي كيف لناشطة حقوقية عالمية أن تتجاهل مستندات مادية كهذه تضع كفاءة ونزاهة الوزير موضع شك، وتقرر منحه درع الثورة وكأنها عضوية فخرية في نادي كرة قدم، مدفوعة برغبتها في إفراغ شحنة كراهية علي عبدالله صالح ونجله من خلال امتداح وزير هم عينوه أصلاً (بترشيح من أحمد وهادي النائب وقتها) حتى أنه

تم تغطية ما ثبت عليه من عجز وإخلال وسوء إدارة لدائرة الإمداد والتموين بعدم تشكيل لجنة مالية أو أو إدارية أو عسكرية مستقلة لاكمال إجراءات (الاستلام والتسليم لدائرة التموين) وإنما تم بدلاً عن ذلك إيكال المهمة لشخصين فقط هما: محمد ناصر مدير الدائرة، ومحمد ناصر نفسه الذي صار وزير الدفاع (لدي المحضر).
إذا كانت ناشطة حقوقية عالمية تتعامل على هذا النحو والاستخفاف مع مسألة شديدة الحساسية كالنزاهة والكفاءة

وتنفيذ وعود الثورة، مدفوعة بهواجس وساوس وثارات النظام السابق، فكيف باعتقادكم إذن الحال مع وزراء وقواعد وناشطي حزب الإصلاح؟

من خلال هذه الجزئية يمكننا معرفة وتقييم أسباب المآلات الكارثية للمرحلة الانتقالية. على الإصلاحيين أنفسهم أن يفكروا أيضاً بهذه الطريقة كشيء من النقد الذاتي. أصلاً لست في معرض التشفي بقدر الحرص على معرفة وتبيان أسباب الأوضاع التي وصلنا إليها. أدرك أن حزب الإصلاح الآن في موضع الضحية، وأن قواعده وقياداته عرضة لانتهاكات مليشيات الحوثي لكن كما قالت العرب “رحم الله أمرئ أهدى إلي عيوبي”.
 
لكل نتيجة سبب أو جملة أسباب.
لا يوجد شيء يهبط هكذا فجأة من الفضاء.
سقوط صنعاء في قبضة الحوثيين بتلك السهولة لم يكن حدثاً غير متوقعاً ولا مفاجئاً كما قال المبعوث الأممي جمال بن عمر، وليست مؤامرة خالصة، من الرئيس السابق وأطراف خارجية، كما ألمح الرئيس هادي في خطابه لادراكه أم هذه النغمة يتحمّس لها أعضاء حزب الإصلاح خاصة، وأحزاب المشترك، ويتخذونها شماعة يحملون عليها كل أخطاءهم وسوء إدارتهم للمرحلة الانتقالية.
ما حدث كان مقدراً له أن يحدث بشكل أو بآخر. 
فالجيش عقيدة، في الأول والأخير، لا رتب ومعسكرات. إنها الاسباب تفعل فعلها.

إنما، لا بأس، دعونا نناقش بعض "حيثياتهم":
يقولون مثلاً، إن اللواء الحاوري هو من أمر الجنود بالانسحاب من مواقعهم مما تسبب في إسقاط منطقة شملان في قبضة الحوثي وأنه فعل ذلك بأمر من الرئيس السابق. سؤالي لكل أعضاء نادي "قلة العقل": من الذي عين الحاوري قائداً للمنطقة السادسة وأحياه وقد كان رميماً في نهاية حقبة حكم الرئيس السابق؟ أليس الرئيس الحالي هادي ووزير دفاعه وبإطلاع الدجّال الأممي بن عمر.
ألم ينزل الرئيس ووزير الدفاع وبن عمر على شروط الحوثيين في تسليم اللواء 310 للواء التاسع؟
ألم يأمر وزير الدفاع محمد ناصر بإنزال المدفعية من جبل نقم بدواعي أمنية ساذجة خشية قصف منزل الرئيس هادي؟
Scan0011
من الذي عمل على تفكيك الحرس الجمهوري، بدلا عن الاكتفاء بعزل وإقالة قياداته إلى درجة أشعرت الجندي في الحرس أنه مستهدف، وموضع تهمة وشك من قبل النظام وقيادته أكثر من استهدافه من القاعدة؟
ثلاثة أيام وكتيبة التلفزيون تقاتل فما الذي حدث؟
زارهم وزير الدفاع وقال كلاماً لا يغني ولا يسمن من جوع: "لن نقف مكتوفي الأيدي". وهي نفس تهديدات هادي الفارغة بعد سقوط عمران. 
هل أعلن الجيش القتال رسمياً؟
هل أعلنت جماعة الحوثي كتنظيم ارهابي؟
هل أعلنت حالة الطوارئ أو اتخذت الدولة قرار الحرب؟
لقد اتخذ قرار الحرب من طرف واحد بينما وزارة الدفاع "محايدة"
كعادتها معتقدين أن سيناريو عمران من الممكن تكراراه في صنعاء بأقل أضرار.
لا شيء من ذلك حدث، متوقعين أن يقاتل الجنود وهم مكشوفين وبلا قيادة، ليكونوا "قشيبي آخر"
كيف تتوقعون نفسية الجندي وهو يرى مليشيا الحوثيين تسقط لواء عسكريا في عمران وتقتل قائده، وتنهب سلاحه ثم فجاة يذهب الرئيس هادي عن وصول الدولة أخيرا لعمران؟ هل تعتقدون أن أحد من الجنود أو القادة سيقف بعدها في مواجهة الحوثي؟محال.
حسناً. من هي أول وحدة عسكرية اصطدمت بالحوثيين في صنعاء وواجهتهم عسكرياً و"مرمطت" بهم في الأسابيع الأولى؟ أليست قوات الحرس الجمهوري في حزير والصباحة.

لقد راودت الحوثيين فكرة أو محاولة إسقاط معسكر48 وطمعوا في سلاحه وحاولوا استفزازه عبر نصب نقطة على بعدمسافة قريبة من بوابة المعسكر لكنهم سرعان ما أدركوا أنهم أمام قوات احترافية منضبطة ومدربة على مستوى قتالي عال لاتجدي معه لا استماتة، ولا عقائدية مسلحي الحوثي.لقد كسرهم الحرس ولقنهم درساً قاسياً هناك في حزيز. لهذا السبب كان لا بد من تحويل الهجوم إلى الهدف الأسهل المدخل الشمالي الغربي للعاصمة من جهة ضلاع وهمدان.
والأهم أن مقر قيادة الفرقة أولى مجرد "مؤخرة" من ناحية عسكرية في حين أن الفرقة أولى كقوة عسكرية فعلية موجودة في اللواء 310 الذي أسقطه الحوثيون في عمران.
أعرف أن ثمة العشرات من ضباط القوات الخاصة والحرس الجمهوري انخرطوا في القتال إلى جانب الحوثيين في عمران، كحماسة شخصية من عسكريين يرون أن علي عبدالله صالح أخطئ وكان عليهم القتال بدلاً عن توقيع المبادرة وتسليم "رقابهم" للاخوان (هذا ما يعتقدونه بصرف النظر إن كانوا محقين أم لا، أو رأئي الشخصي في ذلك، وكون توقيع المبادرة من قبل صالح كان قرارا حكيماً ومسئولاَ).
عمليات الإقصاء الواسعة والاستهداف الوظيفي أيضاً كانت عاملاً في دفعهم للحوثي.
لقد أصيبت العقيدة القتالية للجندي اليمني بمقتل وبالتقسيط طوال المرحلة الانتقالية. عمران كانت الذروة. وما جرى في صنعاء تحصيل حاصل لا مفاجأة ولا ظاهرة خارقة كما قال "الدجال الاممي".
Scan0012
والأهم أن الاستراتيجية الوطنية لهيكلة القوات المسلحة والأمن عملت بدلاً من إصلاح تصلح حال الجيش، على تدميره وعمقت الشرخ داخله وأضعفت عقيدته القتالية.
كتبت في تاريخ 25 مارس، 2013 التالي حرفياً: (إن الاستراتيجية الوطنية لهيكلة القوات المسلحة والجيش بصيغتها الركيكة الحالية وافتقارها للواقعية وتسامحها مع بؤر الفساد داخل الجيش -كنظام المشتريات المنفلت وقوائم الجنود الوهميين والمخصصات المالية المهولة التي تذهب لجيوب أمراء وقادة الجيش وكبار مشائخ القبائل الموالين للنظام على هيئة مرتبات ووقود ومحروقات ومواد غذائية- لن تفض إلا لمزيد من تفكيك الجيش وتحويله إلى مليشيات قبلية وعقائدية ولاءها لأشخاص ومراكز القوى النفوذ التقليدية داخل القبيلة والجيش).
وهذا ما حدث حرفياً وتجلى للعالم أجمع مؤخراً.
في ذلك الوقت كان الرئيس هادي وجمال بن عمر ووزير الدفاع وقادة أحزاب المشترك والمجتمع الدولي وتوكل كرمان - وبوسعكم البحث عبر محرك بحث google- يمتدحون الهيكلة ويتغنون بها كما لو أنها اسطورة شهرزاد، أو عصا موسى السحرية التي ستحل بضرية واحدة كل مشاكل وتعقيدات. لقد كانوا يتحدثون وقتها بيقينية عمياء عن توحيد الجيش وتطويره وإنهاء انقسامه. ثم الآن فجأة، وبكل بجاجة، وكأن اليمنيين من دون ذاكرة، يريدون إقناعنا بوجود مؤامرات، وأن ولاء قادة الجيش للرئيس السابق ونجله!! (حتى إن صح ذلك فالعيب فيكم)
وبدلاً من أن يكونوا ممتنين مما نقدمه من تحليل ومعلومات ويستفيدون منها عند إتخاذ القرار عملوا على تخويننا، وإتهامنا باللاوطنية، وكأن الثورة "بطاقة حزبية ينزعونها عمن يشاؤون ويمنحونها لمن يشاؤون كوزير الدفاع مثلا الذي كان بطلاً -عندما كنا نحن فلول، وصار اليوم خائناً وعميلا ومن يدري ربما ما نزال بنظرهم نحن أيضاً الفلول!
يتبع
_____________________________________________
للإطلاع على وثائق وزارة الدفاع المقصودة زيارة الرابط في المدونة
http://mohamedalabsi.blogspot.com/2013/03/2012.html

تنويه:
اعتذر للسيدة توكل والاعزاء القراء عن الخطأ غير المقصود الوارد في أعلى المقال. في الحقيقة لم تقم الزميلة توكل كرمان بمنح وزير الدفاع ورئيس الاركان درع الثورة -كما ذكرت- وإنما حصل العكس هم من قاموا بتكريمها. أخطأت على غير عادتي إذ استعنت بالذاكرة دون العودة إلى تقارير الفعالية، إلا أن جوهر ما يطرحه المقال لا يزال قائماً لكون ما قصدته هو أن تصريحها وإشادتها بقيادة الجيش، بتلك الصيغة اليقينية والاحتفائية، في ذلك الحفل مثلت حماية من نوع ما لهما من النقد خاصة لدى شباب الثورة بما تحظى به توكل من مكانة وقيمة غير إن ذلك لا يمنع من الاعتذار عن الخطأ، وما ذاك سلوكي. 

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional