الأربعاء، 22 أكتوبر، 2014

ميساء شجاع الدين تكتب: في هجاء حرب لم تنته

حوثيون يعاينون آليات الجيش المتضررة (نت)
الأوضاع المشتعلة بإب والبيضاء لا تستدعي عبقرية لفهمها أو توقع حدوثها بعد سقوط العاصمة بيد ميلشيا حتى لو أضفي لها شرعية بتوقيع اتفاق السلم والشراكة، الذي سقط عملياً بسقوط صنعاء وتواصل سقوطه بإسقاط بقية المحافظات بيد الحوثي. هو نتاج طبيعي لفرض واقع سياسي بقوة السلاح من قبل جماعة انتمائها ليس وطني بل محصور بجماعة مناطقية وطائفية، والاستسلام لهذا الواقع من قبل أحزاب كانت تعيش في قفص معارضة صالح من باب رد الفعل ثم صارت تعيش قفص السفارات والأمم المتحدة لمحاصصة الوظائف، ولا تؤمن
بفعل جماهيري اعطاها دفعة هائلة كان يستحق منها الالتفات والاهتمام لكي ترضي بدور رديء وهو تحمل مسؤولية حكومة لن تتحرك إلا برضا سلاح الحوثي.

يحاول البعض دفعنا للاطمئنان لحقيقة إن اليمن لم يشهد صراع طائفي من قبل، لكن تداخل العامل المناطقي الأكثر تأثيراً وحساسية ضمن الطائفي لا يدعم هذه الفكرة بقوة. والأهم إن اليمن ليست معزولة عن عالم ومحيط إقليمي يندفع نحو هذا الصراع الذي يتسرب لنا من إعلام يحيط بنا ومدارس دينية ومساجد خارج سيطرة الدولة تتحكم بها أموال خارجية، اضافة لصراعات مسلحة على السلطة والسيطرة بين اطراف لا تملك شرعية وطنية حقيقة ولا قوة شعبية واعية وتلجأ للدين باعتباره الوسيلة الأسهل والأرخص للتجييش والحشد.
كل المعارك التي تدور بالمحافظات سوف تتحرك من منطلقات مناطقية وطائفية وقبلية طالما أكبر مركز حضري في اليمن وعاصمة الدولة صنعاء تلازم الصمت، هذا مفهوم من جهة إن مجتمع صنعاء متعدد الخلفيات المناطقية والطائفية والانقسام البدائي الذي تسبب فيه الحوثي بحكم إنه جماعة تستدعي هويات مناطقية وطائفية لا تملك أي مشروع سياسي، مما انعكس على مجتمع صنعاء المتنوع الخلفيات. لكن ما هو غير مفهوم هو انهيار كل المكونات المدنية من أحزاب ونقابات واصابتها بالشلل التام وكأن ما جرى عام 2011م لم يضيف خبرة أو تراكم يستحق الذكر في التعامل مع الجماهير.

يتهرب الكثيرين من واقع ما يجري وتحمل مسؤوليته من خلال قبول المسميات الكاذبة، لكن منذ متى كشفت أي قوة تفتقد الشرعية والمصداقية عن حقيقة أمرها؟ فعندما كان علي صالح يحكم اليمن كان يقدم نفسه كنظام وحدوي ديمقراطي والواقع يقول عكس ذلك فهو نظام قسم اليمنيين لقبائل ومناطق بحكم استبدادي فاسد، وأمريكا احتلت العراق تحت شعار الديمقراطية والحرية ومن ثم أرست قواعد الطائفية السياسية والزمن الدموي في العراق ورحلت. لا أحد سوف يفصح عن حقيقة نواياه وهو سيكذب حتى يصدق كذبته وسيبرر ما يفعله بالبيئة والآخرين، فعلي صالح كان يتحدث عن الفساد باعتباره واقع يمني لا يد له فيه، وأمريكا قالت إن الطائفية حقيقة عراقية تسبق وجودها.

الحوثي أيضا لا يفصح عن نواياه فهو قال إنه يستهدف اسقاط الجرعة والحكومة وتوصل لاتفاقية السلم والشراكة باكراً لكنه ماطل في التوقيع حتى اسقط صنعاء، لم يقول الحوثي إنه يريد اسقاط صنعاء وطرد علي محسن مثلاً. سوف يقول إنه غير ممول من إيران وستقول إيران صنعاء رابع عاصمة عربية تسقط لإيران، وسوف يقول إنه يعادي أمريكا ويقف في صف الممانعة بينما يقول جون كيري إيران شريك في الحرب ضد الدولة الإسلامية والقاعدة، ويتحدث اعضاء الكونغرس والامريكيين عن الحوثيين بصفتهم شريك مثالي للحرب ضد الارهاب عوضاً عن حكومة ضعيفة.

الحوثي يبرر كل أفعاله بأن اليمن هكذا فهو متخلف لأن اليمن هكذا، ويستولي على السلطة بالعنف لأن اليمن هكذا ويتحالف مع صالح لأن من سبقوه فعل هذا، شيء مشابه لكل حركة أو شخصية أو دولة لا تملك نوايا طيبة وتريد الاصطياد في مياه عكره لذا تعتبر عكر المياه هي المشكلة وليس عكر النوايا والأفكار. اليمنيون كان في وضع سابق ببدايات القرن العشرين اكثر تخلف وانقسام لكن افرزت حركة وطنية لا ترى لتخلف اليمن وانقسامه مبرر بل سبب للمقاومة والخروج عن هذه الحالة، كانت حركة وطنية سباقة بكل اخطائها لكنها على الأقل تطرح اولويات واسئلة تنتمي لزمنها القرن العشرين وليس زمن القرن السابع الميلادي.

بداية الحل هو توصيف الاشياء بأوصافها فالحوثي يوصف قواته باللجان الشعبية وتياره بأنصار الله لكنه في الواقع ليس اكثر من ميلشيا طائفية- مناطقية- سلالية تفرز المجتمع اليمني على عدة مستويات لأنه لا يحمل في تكوينه أو خطابه أي مضمون وطني حقيقي. التوصيف بداية للمعالجة لأنه تشخيص واقعي للمشكلة يضعنا أمامها مباشرة، لكنه لا يعني تبني للطائفية كسبب وحل.

فوجود ميلشيا طائفية بالنسبة للطائفي هي تعبير عن صراع أزلي بين الشر والخير بين أولياء الله وشياطينه، والحل في تلقين هذا الشيطان درساً لن ينساه ودرساً من جنس عمله الطائفي العنيف. أما السبب من منظور وطني فهو الضعف المزمن الذي اصاب الدولة اليمنية جراء الفساد والاستبداد، تراكم مظالم إجتماعية وسياسية، حلها في حركة وطنية تتجاوز الانقسامات الطبيعية في أي مجتمع نحو دولة تحقق المساواة والعدالة للجميع.

صراع الهويات دائما غطاء رخيص للحشد ضمن صراع سلطة بين اطراف مفلسة سياسيا ً وأخلاقياً وممولة من الخارج، لأن الخارج عندما يمول طرف فهو يموله لأنه قبيلة أو طائفة وليس وطن، لأنه يبحث عن مطامع ما فلو كان يبحث عن مصالح لكان اكثر شفافية في تعاطيه مع هذا الطرف أو ذاك.

الحوثي يحارب الإرهاب هذه مهمة دولية لأمريكا التي تعلم جيداً إنها حرب لن تقض على القاعدة لكن ستشغلها عن معاداة امريكا وتخلق الفوضى في منطقة لها مطامع فيها. فالحرب على الإرهاب لن تنجح فيها ميلشيا طائفية سوف تستنفر كل المفردات الطائفية القادمة لليمنيين من الاعلام والتعليم والمساجد، القادمة من السعودية وإيران وتتجلي في مفردات داعشيين وتكفيريين أو مجوس وروافض. ولن تنجح فيها ميلشيا لها ابعاد مناطقية وقبلية مثقلة بالتاريخ وهي تهاجم مناطق لم تعد تقبل هذه السيطرة المناطقية والقبلية الفجة وترفض الخضوع لهذا الإرث التاريخي الموغل بالأحقاد والمظالم.

أمريكا لم تنجح في القضاء على القاعدة لأن أي قوة عارية مهما بلغ جبروتها لن تنجح في القضاء على شبح خلقه واسباب وجوده السياسية والتنموية والثقافية قائمة بل وتدعم الأنظمة التي خلقتها. وفي حالة الحوثي فهو ليس فقط سيفشل بل سيؤدي لتمدد القاعدة وتوسعها لأنها ستجد حاضنة شعبية واسعة وتعاطف شعبي، فليست هي فقط من تفجر وتكفر وتقتل باسم الدين، فهناك طرف معتدي يفعل ذلك باسم الدين لكن القاعدة ستكون الطرف الأقرب للعقل والعاطفة المناطقية والطائفية، لذا لا يمكن القضاء على القاعدة دون القضاء على حاضنتها الإجتماعية ولا يمكن للمجتمع أن يلفظها وهو يواجه قوة غير شرعية ولا تقل تطرفاً وهمجية، طالما تغيب المشروع الوطني.

لو كان الحوثي يمتلك فكرة سياسية لما كان مضطر لنحر العملية السياسية بإسقاط صنعاء، لكن منطق السلاح في حركة تتلاعب بها قوى إقليمية ودولية ومثقلة بإرثها التاريخي ومنطقها العصبوي الضيق غلبها مرة عندما اسقط صنعاء ومرة أخرى عندما تمدد في محافظات خارج دائرة عصبيته المناطقية والقبلية والطائفية والتي يستحيل لمجتمعاتها أن تتقبله.

قد ينجح الحوثي في السيطرة عسكرياً بسهولة على هذه المحافظات بحكم إنه القوة العسكرية الأكبر وتواطؤ أجهزة الدولة لكنه لن ينجح في حكمها والتحكم بها وسيظل يواجه العنف الذي سيعزوه للقاعدة، لكن المجتمعات المحلية لهذه المحافظات ستلجأ للتفجير والاساليب العنيفة التي لا مواجهة فيها ليس لأنها قاعدة بل لأن المواجهة انتحار بلا أي خسارة للخصم بسبب التفاوت الواسع للقوة؛ لذا ستضطر للمواجهة الشبحية في دفاعها عن نفسها ضد قوة طبيعتها تخلق انقسامات بدائية وتحيي ثأرات تاريخية.

تقسيم اليمن لشمال وجنوب صار أمر مفروغ منه إقليمياً ودولياً وسيكون تحت إشراف أممي حسب ما تشير إليه الصحافة السعودية وحسب كلام المبعوث الأممي بن عمر لسكاي نيوز. الحوثي أداة محلية لهذا التقسيم بدليل إنه يتهدد تنظيم القاعدة في المحافظات الشمالية ويتجاهل معقلها الرئيسي في حضرموت.

المعركة الجارية حالياً هي حول السيطرة على ما كان يمن شمالي ومن يحكم الشمال تحت لافتة الحرب ضد القاعدة؛ الحوثي يريد اثبات جدارته كقوة تتحكم بما كان يعرف باليمن الشمالي الذي لا يبدو إنه سيظل واحد كما لا يمكن للجنوب أن يظل واحد. وفي هذا الزمن التفتيتي إذا لم يجابه الحوثي بحركة وطنية، فسوف تتشكل ضده فيما يعرف بمناطق يمن أسفل قوة اجتماعية- عسكرية من جنسه وكما هو تشكل قبل عشر سنوات من رحم حرب صعده، وسوف يكون الحوثي صاحب السلطة والقوة العسكرية الأكبر هو الطرف الذي سيخسر طالما لم ينجح في وقف هذه الحرب بينما تتمدد هذه القوة طالما تستمر الحرب. هذه الحرب المقيتة التي تلوح بالأفق من يريم بإب هي نتاج طبيعي لمنطق الاخطاء التي تولد نفسها لأنه لم توجد مقاومة تمانع وترفض هذه الاخطاء منذ البداية.

عن المصدر أولاين

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional