الأربعاء، 9 سبتمبر، 2015

عن تناقضات الإنسان العربي: كيف يمسي أحدنا كونياً ويصبح سلالياً؟

سناء البدوي طالبة قتلت بغارة للتحالف للبناية تقطنها 
بصنعاء (د/ عادل العماد)
كيف يستطيع شخص طائفي ومذهبي متعصب في بلده وحياته وطريقة تفكيره أن يكون إنساناً، أكثر نبلاً وتسامحاً وأقل عصبية، ولو لأيام أو ساعات أو لحظات إشراق عابرة عند تلقيه وتفاعله مع قضايا وأحداث وقعت في مكان ما من العالم كأزمة اللجوء إلى أوربا، كما حدث مؤخراً وبدا جلياً على صفحات التواصل الاجتماعي؟
شاب يحمل رفيقه أصيب بقذائف الحوثي على تعز الفرنسية
بمعنى كيف لشخص تعاطف مع نازحيين سورين ومقدونيين ماتوا اختناقاً داخل حافلة نمساوية على نحو إنساني مجرد لكونه لا يعرفهم، وليسوا من أقاربه، ولا قبيلته، ولا مذهبه، وربما ليسوا من نفس ديانته، بينما هو في بلده لا يتعاطف، ولا يتحمس إلا لضحية من نفس مذهبه، أو جماعته؟ 

مشاعره مخصخصة في خدمة الجماعة أو الحزب
وإن شئت قل التحالف أيضاً، ونزوعه الإنساني يتجلى إما كأداة لاستثمار مظلمة وإما كوسيلة لإدانة الآخر، بالحق أو الباطل. 
يمكن إيراد بعض الأمثلة التقريبية كأسئلة إضافية: 
كيف لشخص بكى بحرقةٍ وتفجّع عند رؤية جثة الطفل السوري إيلان
مرمية على ساحل بحر إيجة، وما أكثرهم في اليمن والعالم العربي ككل، دون أن تستفز مشاعره ويؤثر فيه موت مئات الأطفال منذ اندلاع الحرب في اليمن ولو بدرجة أقل ونبرة حزن أخفض؟

إيلان وأسرته حاولوا النجاة على الأقل. قرروا النزوح مدركين المخاطر فكانوا ضحية جملة من العوامل المعقدة: (الحرب، فرار المهرب، الطبيعة وهيجان البحر، المخاطرة). بالمقابل: كم من أطفال اليمن، أو بلد آخر كسوريا أو العراق، ماتوا وهم في منازلهم حتى فلا ركبوا البحر، ولا خاطروا، ولا طمحوا في حياة أفضل من التي لديهم، مؤثرين السلامة على المخاطرة، وجحيم البقاء في "الوطن" على "نعيم" اللجوء؟
إيلان الطفل السوري (وكالات)

يمنياً: كم واحداً منا كان إنساناً بحق في تلقيه لحادثة غرق الطفل إيلان في حين لم يضطرب وجدانه عندما قتلت قذائف الحوثيين والقوات الموالية لصالح 16 طفلاً في يوم واحد بمدينة تعز؟ وفي عدن أحالت قذيفة عشوائية نجل الدكتور أمين الكوشاب واثنين من أطفال خورمكسر إلى أشلاء من أمام منزلهم في غمضة عين!

أليس الإنسان هو الإنسان؟
لماذا تستثار المشاعر هناك وتقمع هنا؟

لكن هذه نصف الحقيقة فقط.

كم واحداً منا، على الضفة الأخرى، كان إنساناً بحق في تلقيه لحادثة غرق الطفل إيلان، في حين لم يشعر بالتعاطف والحزن لمقتل سناء البدوي طالبة الصف التاسع إثر قصف طيران التحالف منزلها في جولة الرويشان؟ بل ليته سكت. ذلك أن البعض ألزم نفسه مهمة تنظيف القذارة وتبرير وإنكار كل جريمة أو غارة "خاطئة"؟ والقائمة تطول. 7 مِن أفراد اُسرة عبد المجيد الفضلي (الأم والأبناء والحفيدة) قتلتهم بوحشيّة غارة على حي النهضة بمدينة صنعاء أمس الأول، واصغر الضحايا طفلة في الثانية من عمرها (هويدا).

عربياً: كم رجل دين مسلم جن وثارت ثائرته بسبب مشهد ضرب شرطة إحدى الدول الأوروبية كالمجر مثلاً للاجئين على حدودهم، بينما ضميره في إجازة، والأقليات تشرد وتذبح على يد داعش، والمعارضون والصحفيون يرمون في السجون ومعتقلات الأنظمة القمعية كنظام بشار في سوريا أو عبد الملك الحوثي هنا أو سلوك السلطة العسكرية في مصر؟ وقبل أيام سمعت أحد المحللين السياسيين الخليجيين البارزين ينتقد سلوك دول الاتحاد الأوروبي اللإنساني مع اللاجئين السورين متغاضياً عن دور دول الخليج نفسها في تغذية وتمويل الاقتتال في سوريا، كطرف أساسي في الصراع، من دون مد يد العون في الجانب الإنسانية.
أبصر العود الصغير ولم ير الغابة!

إيلان الطفل السوري
إذن
كيف يمسي أحدنا كونياً ويصبح سلالياً؟
كيف يؤمن بغاندي ويترحم على أدولف هتلر أيضاً؟
كيف يتخلى عن إنسانيته لصالح الوحش المسيطر داخله؟
كيف يكون يسارياً ولا يفكر بمليوني عامل باليومية قطعت الحرب أرزاقهم؟
كيف يحب ويتغنى ويصادر الإمام علي كرجل مبدأ بينما هو في سلوكه ليس سوى نسخة مكرورة من أي انتهازي ووصولي وميكافيلي سعى إلى الحكم في كل مراحل التاريخ؟ 

كيف؟ كيف؟

كأني بالبردوني يهاتفني الآن: "ومن جلدها تهرب الأجوبة"

مقال نشر في السفير العربي

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional