السبت، 2 يونيو، 2012

الطبيب الصحفي

محمد عبده العبسي
لو أن مريضاً يعاني من ورم سرطاني خبيث سأل الطبيب: ماذا أأكل؟ سيقول له الطبيب رأفةً به: "كُلْ ما تشاء". أما لو أن شخصاً في صحة جيدة يعاني من التهابٍ حاد في المعدة ليس إلا، سأل نفس الطبيب نفس السؤال: ماذا أأكل؟ سيقول له الطبيب: "كُلْ هذا ولا تأكل هذا. أكثرْ من الخضروات وقللْ من المشويات". وهكذا: لكل حالة مرضية تشخيص. 

قال الطبيبُ للأول: "كُلْ ما تشاء" رحمةً به وشفقة عليه، وليس لأنه فِي صحة جيدة. ذلك أن نسب الشفاء من ورم سرطاني خبيث قد انتشر فِي الجسم (بلغ الدرجة 5 مثلاً) ضئيلة جداً إلا أن يشاء الله.
وقال الطبيبُ للثاني: "كُلْ هذا ولا تأكل هذا" بحزم وصرامة. لا لأن صحته متدهورة. وإنما لأن نسب الشفاء من التهاب حاد في المعدة مرتفعة جداً 99 %. وكل ما يحتاجه المريض، في هذه الحالة، هو الوقاية ليس إلا.  
وهذا هو المعنى الدقيق الذي أريد إيصاله:
إن ما يقوم به الطبيب هو عينه ما يقوم به الصحفي: يقيس الطبيبُ درجة حرارة الإنسان. فإنْ وجدها مرتفعةً بسبب الملاريا مثلاً فقد "تنفعُ المريض حبة أسبرين وقد تثقبُ أمعاءه" كما يقول ذوي التخصص. لكن الحرارة ستعود، بالتأكيد، إلى جسمه ما لم يتناول الدواء النوعي الذي كتبه له الطبيب من مثل "الكينين".
كذلك عمل الصحفي بالضبط.
يعرف الصحفي جيداً كيف يقيس الضغط في المجتمع. يعرف، ومن غيره، كيف يقيس درجة حرارة الرضا والسخط الشعبي وما الذي يشكو منه عامة الناس وخاصتهم؟ يعرف الصحفي، بما هو متاح له من معلومات، إن كان المجتمع راض أم ساخط. في بحبوحة ورخاء أم على شفا جُرف هار!
ليس من عمل الطبيب، إذن، أن يشخّص العضو السليم في الجسم. وإنما يتوجب عليه، إن كان في مستوى المسؤولية، أن يشخّص العضو المريض ويقرر، بالتالي، العلاج المناسب له. نفس الشيء بالنسبة للصحفي: لا يقتضي عمل الصحفي أن يشخّص الأوضاع الاجتماعية المستقرة بالمطلق بقدر ما يتوجب عليه أن يشخص بقلمه الأوضاع المتردية لتحديد موضع الخلل ومعالجته من أولي القرار.
متى تحدث الكارثة؟
عندما يكتب الطبيب لجميع المرضى، على اختلاف حالاتهم الصحية، علاجاً واحداً. وعندما يكتب الصحفي في الأوضاع المضطربة والمستقرة، على حد سواء، نفس المقالات. وعندما يعالج السياسي التمرد المسلح والأوضاع الاقتصادية بالغة السوء بنفس الطرق التقليدية في حكم البلد: ك"إدارة البلد بالأزمات" مثلاً.
اليوم تتطلب الأوضاع المضطربة في اليمن معالجات جذرية ولا عيب في ذلك. فكما أن بعض الأمراض في الجسم تتطلب عمليات جراحية لا مهدئات ومسكنات مؤقتة؛ كذلك تقتضي الأوضاع التي تعيشها اليمن تدخلاً جراحياً حكيماً. ولئن يبتر عضواً معطوباً في الجسم خير من تفشي الأورام السرطانية، وما أكثرها، في سائر الجسد ممثلاً بالمجتمع.
انظروا حولكم: ستة حروب في شمال اليمن "صعدة". وأصوات تنادي بالانفصال بعد عقدين من الوحدة لاجئةً في مطالبها، في تطور خطير، إلى السلاح واستخدام القوة وقطع الطرق وغير ذلك من الأعمال الانتحارية في أي مجتمع. أوضاع كهذه تقتضي معالجات جذرية وحلول حقيقية.
الصحافة بوصفها "فلتر"
في إحدى المرات انتقد الرئيس الأمريكي "جورج دبليو بوش" الصحف الأمريكية بسبب نقدها لسياسات البيت الأبيض في العراق. وقال، فيما قال، إن على الصحافة أن تنظر إلى الأمور الايجابية، في حرب العراق، أكثر من السلبية بدلاً من تثبيط معنويات جنود "الحرية والديمقراطية" في العراق.
في اليوم التالي لخطاب بوش كتبت ال"واشنطن بوست" افتتاحيةً ناقدة قالت للرئيس بوش فيها: "إن عمل الصحافة، سيدي الرئيس، مثل عمل الفلتر: يلتقط الأشياء الضارة فقط. لأن دورها بالأساس التصفية".


نشر في 2009 إثر إغلاق 8 صحف محلية بقرار من الحكومة اليمنية في يوم أسود للصحافة اليمنية

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional