السبت، 15 مارس، 2014

نائف حسان يكتب عن مخاطر إحياء الحوثي لمبدأ الخروج

كيف يُمكن لجماعة الحوثي إعادة تعريف نفسها للتخلص من نقطة ضعفها القاتلة، المتمثلة في تجليها كحالة سلالية طائفية؟ هذا هو التحدي الحقيقي أمام هذه الجماعة لأن مستقبلها مرتبط به.
تتجلى جماعة الحوثي كحالة انتقام ثأرية من ثورة 26 سبتمبر، وتعمل على تعزيز ذلك دون إبداء أي قدر من الحصافة والمسؤولية الوطنية لإخفاء هذا النزوع الذي يؤكد سعيها لإعادة الماضي بكل طائفيته وتخلفه.
عظمة ثورة سبتمبر لا تأتي من تخلصها من كهنوت الإمامة واستبدادها؛ بل في كونها خلقت هوية وطنية يمنية لم تكن موجودة من قبل. والانتقام من هذه الثورة لن يكون إلا عبر ضرب ما تبقى من الهوية الوطنية التي خلقتها، والعودة باليمن إلى زمن الإمام الديني المذهبي. اليوم، صارت اليمن أكبر من الهويات المذهبية، ولا يُمكن إعادتها إلى حضيرة الأئمة.

تظهر النزعات الثأرية ضد ثورة سبتمبر في رفض جماعة الحوثي الواضح والمستمر للعلم الوطني، واعتماد أتباعها خطابا دينيا يتعامل مع صعود وتوسع جماعتهم كـ "تمكين إلهي" لـ "السيد"!
حتى اليوم، لم يظهر العلم الوطني في أي مناسبة حوثية، في ظل تردد معلومات تفيد أن الجماعة اشترطت على حلفائها، خلال تسيير مظاهرة في العاصمة صنعاء، قبل أشهر، عدم رفعهم العلم الوطني مقابل عدم رفع مناصريها شعاراتهم. وإلى هذا، بدأت تظهر لدى بعض أتباع الجماعة لكنة تمجيدية في مخاطبة عبد الملك الحوثي؛ إذ هناك من أصبح يُخاطبه بـ "سيدي"، وآخرون بـ "سيدي ومولاي"، والبعض بـ "السيد الإمام"، ونبرة هذه الكلمات ترتبط بمدلولات تاريخية ذات صبغة دينية كانت جزءاً من هوية وإرث الحكم الإمامي.
مخاطر هذه النزعات الثأرية تأتي من كونها لا تدفع فقط نحو استعادة الحكم الإمامي؛ بل تدفع أيضاً نحو تقسيم اليمن على أساس طائفي. وتوسع الحوثي في الجغرافيا الزيدية يُعيد فرز اليمن على أساس مذهبي، ويعزل هذه المنطقة الجغرافية عن الشأن الوطني العام؛ إذ يُعيد تموضعها في وجود تاريخي سابق كان يفرض عليها تعريف نفسها من خلال انتمائها المذهبي. وإلى هذا، فالحوثي يُعيد تعريف الجغرافيا الزيدية باعتبارها عصبة القوة والغلبة التي تُحدد من يحكم اليمن. والشاهد أن أحد أتباع الحوثي لم يجد ما يُعلق به على انتقادي لجماعته، أمس الأول في "فيسبوك"، غير القول: "مابش ملك من تعز"، في محاكاة للمقولة المناطقية التاريخية التي تقول: "مابش إمام يجي من باب اليمن". و"باب اليمن" يشير إلى جهة إب وتعز؛ لأن الأئمة كانوا يدخلون صنعاء قادمين من المناطق القبلية الواقعة في الجهة الأخرى. والمضحك أن الحوثي يُعيد المأزق التاريخي الهزلي لليمن؛ فهو يتصرف كأي "إمام"، إذ يواصل توسعه في الجغرافيا الزيدية كأداة للسيطرة والغلبة تُمكنه، في نهاية الأمر، من دخول صنعاء كحاكم ديني لا سياسي.
ما قبل ثورة سبتمبر، لم يكن في اليمن حاكم سياسي، بل حاكم ديني مذهبي. كان هناك "إمام" يحكم البلاد استناداً على خرافة النسب العرقية، لهذا غاب "مشروع الدولة"، وحل الفرز المذهبي محل الهوية الوطنية المفترضة لليمنيين. كان هناك "زيدي" و"شافعي"، و"مطلع"، و"منزل". واستمرت آثار هذه الشروخ قائمة حتى اليوم في الوعي العام، بسبب سيطرة العصبة القبلية الزيدية على الحكم منذ ما بعد ثورة سبتمبر.
تكمن أهمية ثورة فبراير 2011 في أنها كانت تسعى إلى تأسيس دولة وطنية جديدة لردم الشروخ القائمة في الهوية الوطنية على أساس جغرافي ومذهبي؛ إلا أنه تم ضرب هذه الثورة، ومحاولة احتوائها من قبل قوى السيطرة والنفوذ القبلية والعسكرية. حكم علي عبد الله صالح اليمن معتمداً على العصبة الجغرافية للغلبة التي كان يستخدمها الأئمة لحكم البلاد. واليوم، يُحاول عبد الملك الحوثي السيطرة على العصبة القبلية ذاتها لاستخدامها كأداة "غلبة"! والمعنى من هذا أن اليمن مازالت مغيبة ومقصية وتنتظر ما ستُقرره "شوكة القوة والحكم" في شمال الشمال. بيد أنه لم يعد لدى اليمنيين من خيار غير بناء دولة وطنية حقيقية على أنقاض إرث الإقصاء والتخلف.
ضرب جماعة الحوثي للقوى القبلية والعسكرية النافذة وجد هوىً في نفوس أغلب اليمنيين؛ إلا أن ما تفعله هذه الجماعة يترافق مع عملية إعادة بعث للماضي بكل أمراضه. والشاهد أن جماعة الحوثي تُعيد فرز اليمنيين على أساس مذهبي ومناطقي؛ وهو الأمر الذي سيُعيد المأزق الطائفي إلى الواجهة. كانت لدينا مشكلة هوية وطنية جغرافية في الجنوب، والآن ستظهر لدينا أزمة هوية مذهبية. هذا أمر مقلق يقتضي من الحوثي التعامل بحذر مع ما يفعله. والمقلق في الأمر أن تحول المذهبية في مشكلة هوية في اليمن قد يؤدي إلى فرض منطقها المأزوم ليس على الناس فحسب؛ بل وعلى الجغرافيا أيضاً. وقد يستخدم الحوثي ذلك ويقيم دولته على الجغرافيا الزيدية، إذا ما يئس من إمكانية حكم شمال اليمن ككل.
في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، ظهر مقترح سعودي إمامي دعا إلى إقامة دولة ملكية في شمال الشمال (المناطق الزيدية)، ودولة جمهورية في المناطق الشافعية. طُرح هذا المقترح كحل لمشكلة الحرب التي طالت بين ثوار سبتمبر والملكيين. وجرى الحديث عن تبني السعودية لهذا الأمر، وموافقة مصر عبد الناصر، المساندة للثورة؛ باعتبار ذلك كان أحد خيارات إيقاف الحرب التي أنهكتها في اليمن. حينها، كانت المناطق الشافعية مؤيدة للجمهورية والثورة، بشكل كامل، فيما كانت المعارك تجري في الجغرافيا الزيدية. لهذا، ظهر هذا المقترح الذي يقضي بسحب القوات المصرية المساندة لثورة سبتمبر من جميع المناطق الزيدية إلى إب وتعز والحديدة، وإقامة دولة جمهورية في المناطق الشافعية، بما فيها عدن ولحج، والضالع، ومناطق أخرى في الجنوب، وترك المناطق الزيدية لـ "آل حميد الدين" كي يقيموا فيها دولتهم الملكية.
قال القاضي عبد الرحمن الإرياني، في مذكراته، إن ثوار سبتمبر رفضوا ذلك المقترح، وضغطوا على المصريين وأقنعوهم برفضه، بعد أن كانوا بدؤوا الحديث عنه. لهذا المقترح جذور تاريخية سابقة؛ إذ ظهر مشروع استعماري قديم، أظن في عشرينيات القرن الماضي، طرح دعم إقامة دولة شافعية بزعامة الإدريسي، مقابل دولة الإمام يحيى الزيدية. انتصرت اليمن وحولت تلك المخاوف إلى تاريخ؛ إلا أن تصاعد جماعة الحوثي وخطابها يُعيد ذلك التاريخ إلى واقع معاش اليوم، بكل ما فيه من مخاطر وأزمات.
ضرب مراكز القوى التقليدية العسكرية والقبلية والدينية أصبح ضرورة تاريخية، وقيام الحوثي بهذه المهمة يكسبه جماهيرية على المستوى الوطني؛ إلا أن ذلك يترافق مع إعادة أزمة أخطر إلى الواجهة. والشاهد على ذلك تصاعد المخاوف الوطنية من الحوثي، ليس كجماعة مسلحة؛ بل كجماعة مذهبية تسعى إلى السيطرة على الحكم. والمشكلة أن الحوثي لا يُكلف نفسه إيضاح مشروعه، وإزالة المخاوف الموجودة لدى أبناء شعبه. وبهذا، يظهر الرجل كما لو أنه يتخفى في انتظار اكتمال سيطرته على جغرافية الغلبة التاريخية كي يُفصح عن هويته وما يريد. لكن عليه أن يدرك أن الظروف التاريخية مختلفة عن تلك التي كان يستخدمها أسلافه، وملهموه. والأرجح أن دخوله صنعاء، كعصبة سيطرة مسلحة، سيؤكد الجانب الخطر فيه، وسيحوله إلى عدو واضح لجميع اليمنيين.
...
استنهض الحوثي الإمامة، وحوّلها من تاريخ ميت إلى واقع معاش. وأبعد من خلقه مناصرة مذهبية لها، أوجد قابلية شعبية متفهمة لها يعتمد عليها اليوم في استعادة المجد الغابر.
وإذا ما أمكنني استعارة المنطق التحليلي للأستاذ عبد الرحمن عمر، سأقول إن ثورة سبتمبر قضت على إرث التخلف وحولت الإمامة إلى تاريخ؛ إلا أن الحوثي أعاد الروح إلى ذلك التاريخ الميت، وعمل/ يعمل على تحويل الإمامة من تاريخ إلى سياسة.
أثبت الحوثي أن بالإمكان إحياء الإمامة في القرن الواحد والعشرين. لهذا قد نشهد ظهور حالات أخرى متلبسة للإمامة. وحتى لو انتصرت اليمن اليوم مرة أخرى على الإمامة، سيبقى خطرها قائماً؛ ذلك أن تجربة الحوثي ستدفع آخرين إلى الخروج لتجريب حظهم في إمكانية الوصول إلى الحكم.
أخطر ما فعله الحوثي هو أنه سحب قواعد العملية السياسية إلى منطقة دينية مظلمة؛ إذ أكد إمكانية استدعاء الإرث الديني التاريخي واستخدامه كمبرر ووسيلة للوصول إلى الحكم. لقد بعث الحوثي الحياة في "مبدأ الخروج"، واستخدمه لتقحم حياة اليمنيين، والحياة العصرية بشكل عام.
تجاوز الرجل شروط الديمقراطية، واعتمد على "مبدأ الخروج" كأداة وحيدة للوصول إلى الحكم! وحتى اليوم، يرفض عبد الملك الحوثي تحويل جماعته إلى حزب سياسي، وهذا يعني أنه يتعالى على العملية السياسية والديمقراطية، ويصر على اللعب خارجها وبأدوات أخرى غير أدواتها.

- نُشر في صحيفة "الشارع" 16 مارس 2014، العدد 762

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional