السبت، 31 مايو، 2014

بالتفصيل: أسباب زيادة ساعات الإطفاء انطفاء الكهرباء في المدن اليمنية


تنطفئ الكهرباء في صنعاء فيقال ضربت محطة مأرب.
تنطفئ الكهرباء في عدن أو تعز فيقال ضربت محطة مأرب!
تنطفئ الكهرباء في عدن أو الشحر أو "ريمة حميد" فيقال محطة مأرب.
وكأن اليمن كلها تعتمد على محطة مأرب الغازية التي بالكاد تنتج 340 ميجاوات.
وهكذا يتم تضليل الرأي العام عن حقيقة أن 70 % من كهرباء اليمن يتم إنتاجها بالوقود الثقيل. فكل ما تنتجه محطة مأرب لا يكفي لصنعاء وحدها التي يتجاوز استهلاكها في أوقات الذروة 420 ميجا كما يتم توفير ثلث احتياجاتها من 6 محطات داخل العاصمة تعمل بالديزل والمازوت وتنتج مجتمعة 146 ميجا.


والمنطق -إذا كانت صنعاء تعتمد على محطة مأرب فحسب- يقضي أن نسأل: لماذا إذن قام الوزير صالح سميع بتوقيع عقود شراء الطاقة التأجيرية بأكثر من 260 ميجا وكلها بوقود الديزل، المدعوم وباهظ الثمن، التي تسببت في ارتفاع فاتورة دعم استيراد الديزل بنسبة 11 % عما كانت عليه في 2012م، ثم قفزت فاتورة الاستيراد من 3 مليار دولار ونصف في 2011م إلى 6 مليار و300 في 2014م،بالتالي فهي المسئولة الأولى عن الجرعة السعرية المرتقبة لكونها أضافت 3 مليار دولار كأعباء على موازنة الدولة لعام 2014م. والتي بسببها ارتفعت فاتورة استيراد المشتقات النفطية.

أسباب زيادة ساعات إطفاء الكهرباء
وبخلاف ما هو شائع تعود الأزمة الحالية المتمثلة في زيادة ساعات إطفاء الكهرباء في عدد من المدن، بدرجة أساسية، إلى عدم توفر الوقود المشغل لمحطات الكهرباء التي تعمل بالديزل والمازوت. وهي ثلاث محطات بخاري تعمل بالمازوت. و21 محطة ديزل، كلها مملوكة للدولة. وبطبيعة الحال فإن سبب عدم توفر الوقود المشغل لمحطات الكهرباء يعود إلى إفلاس عجز الموازنة الذي وصل إلى أعلى مستوى له في تاريخ المالية 940 مليار ريال (قرابة 5 مليار دولار) وعدم دفع وزارة المالية قيمة الوقود ومشتقاته المستورد من الخارج منذ بداية العام وارتفاع مديونية الكهرباء لشركة النفط التي بلغت نحو 92 مليار ريال.

كل هذه الأسباب جعلت مصافي عدن عاجزة عن استيراد المشتقات النفطية لعدم توفر سيولة كافية إضافة إلى عمليات البيع والتهريب الداخلية وبيع كميات كبيرة للقطاع الخاص كما ثبت مستندياً، في الأيام الماضية.

ويكمن تلخيص أسباب زيادة ساعات إطفاء الكهرباء في التالي:
السبب الأول: خفض المخصصات الشهرية اللازمة لتشغيل المحطات البخارية المركزية، إلى الثلث مما يعني عدم تشغيلها بكامل قدرتها الإنتاجية على النحو التالي
-المخا
-الحسوة
-رأس كتيب
فمن 30 ألف طن من مادة الماوزت المعتمد الشهري السابق خصص لها حالياً بسبب الأزمة عشرة ألف طن شهري فقط.

السبب الثاني: تخفيض مخصصات وقود المحطات الفرعية التي تعمل بوقود الديزل. فبدلاً عن المخصصات السابقة التي تكفي لتشغيل المحطات بكامل طاقتها؛ تم تخفيض مخصص الوقود لفترة عمل تصل حدها الأعلى 12ساعة، في بعض المحطات والأدنى 8 ساعات في اليوم ومن ذلك مثلاً محطة توليد عصيفره. أو محطات صنعاء الست (ذهبان 1و2/ القاع/ حزير 1و2و3)، أو محطات حضرموت التي تنتج 99 ميجاوات.

السبب الثالث: تحتاج بعض مولدات المحطات إلى صيانة، عمرية وطارئة، ما لم ستخرج عن الخدمة. وعلاوة على ذلك يتم تشغيل بعض المولدات بحمولة اقل من طاقتها الإنتاجية لها وبساعات عمل محدودة يوميا، لا تزيد عادة عن ثمان ساعات يومية. وكل ذلك بسبب عقود الطاقة التأجيرية التي أسرفت الوزارة عليها في عهد الوزير صالح سميع وتسببت في ارتفاع فاتورة دعم واستيراد الديزل، وإفلاس مؤسسة الكهرباء وعجزها عن توفير الوقود الكافي لتشغيل المحطات المملوكة للدولة بكامل قدرتها، أو إجراء عمليات الصيانة الدورية وتوفير قطع غيار المولدات المتوقفة.

الوضع الحالي لمحطات الكهرباء في عدن
تعاني معظم محطات الكهرباء التابعة للدولة التي تنتج الكهرباء بالوقود الثقيل (ديزل وماوزت) من التهالك وتقادم العمر، وخروج مولدات عن الخدمة، والتلف، والحاجة إلى قطع غيار وصارت غير مجدية اقتصادياً قياساً بالكهرباء الرخيصة المولدة بوقود الغاز الطبيعي الذي تبيعه الحكومة بسعر التراب لتحالف شركات دولية.

فمحطة المنصورة 1 (أنشأت في 1982) مثلاً يفترض أن تنتج 64 ميجاوات، لكنها تنتج حالياً فقط 18 ميجاوات بسبب أن ثلاثة مولدات، من أصل 8 مولدات، تعمل بكامل جاهزيتها، في حين أن 5 مولدات خارج الخدمة بسبب عدم إجراء الصيانة وتوفير قطع الغيار. أما محطة المنصورة 2 (أنشأت في 2006م) فيفترض أن تنتج 75 ميجاوات اسمياً، لكنها لنفس الأسباب تنتج فقط 40 ميجاوات لكون اثنين من أصل 7 مولدات خارج الخدمة. كلا المحطتان تعملان طبعاً بوقود الديزل المكلف.

نفس الشيء بالنسبة لبقية المحطات الكهربائية في عدن، أو صنعاء، ومحافظات أخرى: إهمال وفساد وخروج مولدات عن الخدمة.

فمحطة خورمكسر 1 (1974) يفترض أن تنتج 14 ميجاوات من الطاقة لكنها بسبب الإهمال وعدم الصيانة المنتظمة تنتج حالياً 11.5 ميجاوات (إن لم يكن أقل) بسبب أن 3 مولدات من أصل 5 مولدات هي حالياً خارج الجاهزية. أما محطة خورمكسر 2 ( 2004م) وهي أيضاً كسابقتها تعمل بالديزل، فإنها يفترض أن تنتج 10 ميجاوات، لكن تنتج حالياً، لنفس الأسباب السابقة، 5 ميجاوات فقط، لكون أحد مولداتها الاثنين خارج الخدمة. أما محطة التواهي (2004م) فمن المفترض في الوضع الطبيعي وفي حال عملت لكامل جاهزيتها أن تنتج 6.6 ميجاوات لكنها تنتج حالياً 1.3 ميجاوات لكون 2 من مولداتها، من اصل 3 مولدات، خارج الخدمة.

وكل الأرقام والمعلومات أعلاه استناداً إلى آخر تقرير برلماني ومن المحتمل أن تكون أوضاع المولدات في بعض المحطات، على الأقل، أسوأ.

مثل شراء كيلو حلوى بسعر كيلو ذهب
إن شراء الطاقة أشبه بشراء كيلو حلوى بسعر كيلو ذهب أو مثل استئجار جناح في فندق ودفع مبلغ يفوق قيمة شراء، أو بناء، الفندق ذاته. هذا ما تفعله وزارة الكهرباء منذ 2012م: تشتري 200 ميجاوات من باخرة على البحر بمبلغ يمكن من خلاله إنشاء محطة غازية حكومية 200 ميجاوات تدوم عشرات السنين. ويكفي لمعرفة فداحة سياسة شراء الطاقة، أن توليد 400 ميجاوات بالديزل يكلف مليوني و200 ألف دولار في اليوم بينما يكلف توليد نفس الكمية بالغاز 126 ألف دولار فقط. بمعنى وجود فارق سعر يومي بحدود مليوني دولار يغري باستئجار مرتزقة تخريب الكهرباء ومن يعتدون على المحطة الغازية هم المستفيدون من تهريب الديزل واستيراده من الخارج والاعتماد عليه في إنتاج الطاقة!
بعبارة أخرى: بمقدور الدولة نصف قيمة الديزل الذي تقدمه لشركات التأجير خلال سنة إنشاء محطة  كهربائية غازية 500 ميجاوات تدوم 25 سنة وتحقق عائدات سنوية للدولة لا تقل عن 100 مليار ريال كأرباح سنوياً.

والمشكلة ليست في عقود شراء الطاقة فحسب وإنما في وقود الديزل! وتستورد اليمن سنوياً نحو 3 مليار لتر من الديزل والمازوت بقيمة تخطت 6 مليار دولار في عام 2013 الذي لم تزد فيه الإيرادات الكلية لبيع النفط الخام عن 3 مليار دولار ونصف.

مولدات الطاقة التأجيرية مصصمة للفنادق والمصانع لا الشبكة العمومية
ومن المشكلات التقنية لمولدات الطاقة المستأجرة من الشركات أنها، بالأساس، مولدات صغيره لا تتجاوز حمولتها واحد ميجاوات، وتتسبب في زيادة استهلاك كميات أكبر من الوقود، وهذا سبب عدم كونها غير مجدية اقتصادياً وباهظة الثمن. ذلك أن كل عشرة ميجا من الطاقة المستأجرة تعادل استهلاك15ميجا حكومي، وبالتالي يذهب كل عجز المحطات الحكومية في الوقود لصالح مولدات التوليد المستأجرة من الشركات ومن أبرز ملاكها (السعدي- حسن جيد- العيسي).

وبحسب مهندسين في محطة المخا فإن المولدات المستأجرة "غير مجدية حين دخولها الشبكة الرئيسية للكهرباء لأنها لا تعمل على رفع الجهد، ولا تنتج الطاقة غير فعالة التي تستخدم في الورش والمصانع، والسبب أن هذه المولدات المستأجرة مخصصة للشركات والمصانع والفنادق والأماكن الخاصة أصلا، لا الشبكة العمومية".

تدفع الدولة لشركات التأجير المتفق عليه في العقود سواء ولّدت 50 ميجا أو صفر ميجا!
إدارياً، ومن كوارث الطاقة المستأجرة أن عقودها نصت على شرط جزائي تلتزم به مؤسسة الكهرباء لصالح الشركات المالكة. ففي حال عدم تمكن مؤسسة الكهرباء من توفير الوقود لشركات التأجير، وفي حال حدوث خلل في الشبكة فإن هذه الشركات بسبب صيغة العقود الرديئة، فإن الشركات ها غير ملزمة به ولا تتحمله سوى الوزارة، ويدفع لها ما تم الاتفاق عليه سوى ولدت الكهرباء أم لا.

وقال مهندس مختص في محطة عصيفرة فضل عدم الإفصاح عن اسمه: "مثلا جرى في تعز توقيع عقد شراء طاقة عشرة ميجا مستأجر قيمته 124مليون ريال شهريا، إضافة إلى قيمة الوقود المشغل لها وهو 2 مليون لتر ديزل شهريا. بموجب العقد تدفع هذه المبالغ للشركة المؤجرة مباشرة، سواء اشتغل المولد أو لم يشغل، لأي سبب كخلل في الشبكة أو غيره، وتكون مؤسسة الكهرباء ملزمة بدفع قيمة هذا العقد من وقت توقيعه".
وأضاف: "ما يحدث في تعز مجرد مثال مصغر ومثله في معظم المحافظات. ففي بعض الأحيان لا تنتج الشركة المؤجرة عشرة ميجا يومياً، ومع ذلك، وبموجب العقود المجحفة، لا يتم محاسبة الشركة بناء على كمية الكهرباء التي ينتجها يومياً، وإنما يدفع له المبلغ المتفق عليه في العقد كاملاً وهو 124مليون ريال.

وأكد المهندس على أن "إنتاج عشرة ميجا يوميا، يعني ببساطة ان الشركة المؤجرة استهلكت من الوقود 1.7 مليون لتر فقط، لكن وبموجب العقود، فقد استلمت الشركة الكمية المتفق عليها في العقد: 2 مليون لتر. وهكذا مع بقية الشركات التأجيرية بالضبط.
إن كل مظاهر الأزمة الحالية والتي ستسمر طويلاً ولن تنتهي إلا بجرعة، أو هبة خليجية، تعود إلى أمرين: عقود شراء الطاقة خلال ثلاث سنوات، وموازنة 2014م الكارثية المقدمة من الحكومة إلى البرلمان الذي وافق عليها في يناير 2014م ومررها رغم نسبة العجز الأعلى في تاريخ المالية.


ما يحدث الآن مجرد تداعيات ونتيجة لأسباب وأخطاء تجاهلها اليمنيون يمكن اختصارها بكلمتين: حكم فاسد. وهذا ما يبدو أن الحكومة ماضية فيه.  

نشر اليوم في الأيام

ليست هناك تعليقات:

Disqus for TH3 PROFessional